recent
عـــــــاجــــل

أثر إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية في حل أزمة المناخ العالمية

 


أثر إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية في حل أزمة المناخ العالمية

مع التقدم التكنولوجي الهائل الذي وصلت إليه البشرية خلال السنوات الأخيرة، تزايد استخدام الأجهزة الإلكترونية الحديثة بشكل هائل، خاصة أجهزة الهاتف الذكي والكمبيوتر الشخصي أو غيرها من الأجهزة الإلكترونية والكهربائية الحديثة، وقد تزايدت معدلات استهلاك الأجهزة الإلكترونية والكهربية نتيجة زيادة مستويات الدخل المتاح للتصرف في العديد من الدول، حيث بلغ معدل الزيادة في حجم الاستهلاك العالمي للمعدات والأجهزة الكهربية والإلكترونية (EEE)، باستثناء الألواح الكهروضوئية، حوالي 2.5 مليون طن متري سنويًّا.

ولذلك ظهر مصطلح النفايات الإلكترونية (E-Waste) نتيجة للزيادة الكبيرة في معدلات استهلاك الأجهزة الإلكترونية، والتي يقصد بها جميع عناصر المعدات الكهربائية والإلكترونية وأجزائها التي يتخلص منها مالكها كنفايات دون نية لإعادة استخدامها، وتشمل هذه النفايات كافة الأجهزة الإلكترونية والكهربية التي يوجد بها خلل أو كسر أو أصبحت غير متماشية مع التقنيات الحديثة ولم تعد تستخدم. وعلى الرغم من ذلك، فإن الطريقة التي نتخلص بها من النفايات الإلكترونية غير مستدامة في ظل التغيرات المناخية الحالية، خاصة أنها قد أصبحت الأكثر نموا على مستوى العالم من بين الفئات المختلفة للنفايات.



ارتفاع حجم النفايات الإلكترونية يهدد تحقيق المستهدفات المناخية

ارتفع حجم النفايات الإلكترونية بحلول عام 2019 بنحو 9.2 ملايين طن متري منذ عام 2014، كما أنه من المتوقع أن يصل إلى 74.7 مليون طن متري عام 2030، مما يعني أنه تضاعف خلال ستة عشر عاما فقط، فقد بلغ حجم النفايات الإلكترونية العالمية ما يقدر بـ 53.6 مليون طن متري عام 2019، بما يساوي نحو 7.3 كيلوجرامات في المتوسط للفرد.

هذا، وتعد قارة آسيا أكبر المناطق المساهمة في حجم النفايات العالمية، والذي بلغ حوالي 24.9 مليون طن خلال عام 2019، تليها الأمريكتان وأوروبا بحوالي 13.1 و12 مليون طن متري على التوالي خلال نفس العام، ثم تأتي قارة إفريقيا بحوالي 2.9 ملايين طن متري.

ومن الجدير بالذكر أن العالم بأكمله يواجه في الوقت الحالي مشكلة التغيرات المناخية، حيث يحذر العلماء من ظاهرة الاحتباس الحراري؛ لذا وضعت اتفاقية باريس للمناخ هدف الحفاظ على الاحتباس الحراري دون 1.5 درجة مئوية حتى نهاية عام 2030، وقد أكد تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2021 أن التعهدات التي أعلنتها الدول بشأن التغيرات المناخية لها تأثير محدود في تحقيق المستهدفات المناخية، حيث تساهم هذه التعهدات في خفض الانبعاثات المتوقعة لعام 2030 بنسبة 7.5%، في حين أن العالم بحاجة إلى تخفيض الانبعاثات بنسبة 55% لتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية.

وأشار التقرير إلى أن تقليل انبعاثات غاز الميثان المولدة من قطاع النفايات وقطاع الزراعة والوقود الأحفوري من الممكن أن تساعد في الحد من حجم الانبعاثات وظاهرة الاحتباس الحراري في الأجل القصير. ومن هذا المنطلق، يمكن استغلال عملية إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية في تقليل حجم الضرر الذي يلحق بالنظام البيئي، وذلك عن طريق تقليل حجم الانبعاثات المؤثرة على طبقة الأوزون والتخفيف من حدة التغيرات المناخية، بما يحقق التنمية المستدامة.

حيث تتميز مكونات النفايات الإلكترونية والكهربية بزيادة إمكانية استرداد المواد المستخدمة فيها بنهاية العمر الاستهلاكي لها عن طريق إعادة تدويرها، وقد قُدرت قيمة المواد الخام (معظمها من الحديد والذهب والنحاس) الموجودة في النفايات الإلكترونية والكهربية بحوالي 57 مليار دولار أمريكي عام 2019، في حين أن ما تم استرداده بالفعل يصل إلى ما يقرب من 10 مليارات دولار فقط.

بالإضافة إلى أن إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية سوف تساهم في الحفاظ على مصادر الطاقة، وبالتالي الحد من ارتفاع درجة الاحتباس الحراري نتيجة توليد مصادر طاقة جديدة، حيث إن التنقيب عن المعادن والقيام بتصنيعها يبث حوالي 1.5 طن من الانبعاثات السامة إلى الماء والهواء كلَّ عام، فمثلًا إعادة تدوير مادة الألومنيوم تحتاج إلى مقدار من الطاقة يقل بحوالي 95% عن حجم الطاقة المستخدمة في تصنيعها من المادة الخام؛ مما يوفر نحو 19 مليون برميل من النفط، أي ما يكفي لتوفير مصاريف استهلاك الكهرباء لحوالي 18 مليون عائلة كل عام، كما أن القيام بإعادة تدوير الحديد توفر نحو 60% من طاقة التنقيب عن المادة الخام للحديد، أما فيما يخص البلاستيك والزجاج فإنه يساعد على توفير نحو 70% و40% من حجم الطاقة على التوالي.

وفي هذا السياق، نجد أن إعادة تدوير النحاس والحديد والألومنيوم تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية (CO2) بمقدار 15 مليون طن.  كما أن إعادة تدوير النفايات الالكترونية يساعد في توفير مقدار الطاقة بالوحدات الحرارية البريطانية (BTU) بنحو 660 مليار وحدة كل عام، وهو مقدار كافٍ لتلبية استهلاك 6 ملايين أسرة من الطاقة سنويا، خاصًة أن تقرير فجوة الإنتاج الخاص ببرنامج الأمم المتحدة قد أشار إلى أنه يلزم خفض إنتاج الوقود الأحفوري بنسبة 6% كل عام حتى عام 2030؛ لتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية.

طرق التعامل مع النفايات الإلكترونية

تشمل طريقة التعامل مع النفايات الإلكترونية أربعة سيناريوهات محتملة، كما يلي:

السيناريو الأول: يتمحور حول التجميع الرسمي للمخلفات الإلكترونية عن طريق الحكومات أو المنظمات، في ضوء الإطار التشريعي الخاص بالنفايات الإلكترونية في كل دولة، حيث ينتهي المطاف بالتعامل الصحي مع المخلفات وإعادة تدويرها، بالإضافة إلى التخلص من المواد الخطرة ودفن أو حرق ما تبقى منها تحت رقابة الدولة.

السيناريو الثاني: الذي يتمثل في قيام الأفراد مباشرة بالتخلص من النفايات الإلكترونية مختلطة مع باقي النفايات المنزلية في الحاويات التقليدية للنفايات، حيث ينتهي بها الأمر إلى الحرق أو الدفن وفق مقومات البنية التحتية لأنظمة النفايات، دون إعادة التدوير؛ مما يؤثر سلبا على النظام البيئي ويهدر الموارد.

السيناريو الثالث: يتلخص في تجميع المخلفات الإلكترونية خارج النظام الرسمي من خلال أفراد يقومون بإعادة تدويرها للصالح الخاص، ويتم هذا عادةً في الدول النامية التي لا تمتلك نظام بنية تحتية جيد لإدارة المخلفات. ويتم التعامل مع هذه المخلفات عن طريق إعادة إصلاحها وبيعها أو التفكيك والبيع في صورة قطع غيار أو محاولة حرقها وصهرها للحصول على المواد الخام بصورة غير سليمة؛ مما يزيد حجم الضرر على صحة الإنسان والنظام البيئي.

السيناريو الرابع: يشمل جمع النفايات الإلكترونية خارج النظام الرسمي في الدول التي تمتلك نظام بنية تحتية جيد لإدارة المخلفات، حيث يتم تجميع المخلفات الإلكترونية من خلال تجار التجزئة، الأفراد أو الشركات، ويتم توجيهها إلى قنوات مختلفة، تشمل إعادة تدوير المعادن والبلاستيك في منشآت متخصصة، كما أنه من الممكن القيام بتصدير هذه النفايات، ولكن على الرغم من ذلك ما زالت تتواجد مخاطر المواد الضارة للبيئة والمواد السامة، وبالتالي فإن السيناريو الأول هو السيناريو الأكثر إفادة للنظام البيئي ويحد من التغيرات المناخية.

من هنا، تقع المسؤولية المجتمعية على كاهل كل من الأفراد والمؤسسات المحلية والحكومات في الحفاظ على البيئة للحد من تفاقم أزمة التغيرات المناخية، والحد من ارتفاع معدلات الزيادة في حجم النفايات الناتجة كل عام، بحيث يجب على كل أسرة تجميع النفايات الإلكترونية الخاصة بها، وعدم خلطها مع باقي النفايات المنزلية، كذلك يجب توصية الحكومات بتوفير بنية تحتية سليمة لجمع النفايات الالكترونية، وكذلك توفير  مجمعات بيعها ومقالب خاصة بها.، بالإضافة إلى ذلك يجب أن تلتزم الشركات والمؤسسات العالمية بمعايير الجودة في تصنيع المنتجات الإلكترونية وعدم احتوائها على مواد ضارة بالبيئة، وأن تتبع طرقًا صحية في التخلص من النفايات بدلًا من التخلص منها عن طريق الدفن أو الحرق.

 كما ينبغي الحث على إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية؛ لما لها من فائدة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، فلا يزال استغلال النفايات الإلكترونية أقل من المطلوب، حيث إنه تم جمع وإعادة تدوير 17.4% فقط (حوالي 9.3 ملايين طن متري) من إجمالي حجم النفايات الإلكترونية المولدة عالميا عام 2019 فقط.

وعلى الرغم من أن التشريعات الخاصة بمنظومة المخلفات شملت حوالي 71% من سكان العالم عام 2019، بعد أن بلغت 44% و66% عامي 2014 و2017 على التوالي، فإنه لا بد من اتخاذ إجراءات صارمة من أجل تشجيع جمع وإعادة تدوير المخلفات الإلكترونية، حيث يقع على كاهل حكومة كل دولة الاهتمام بوضع وتحديث التشريعات الخاصة بمنظومة إدارة المخلفات ومتابعة تنفيذها بشكل دقيق؛ مما يقلل من طرق المعالجة الخاطئة للتخلص من النفايات، وخاصة الكهربية والإلكترونية، ويساهم في خفض نسبة المواد السامة؛ مما يقلل حجم الانبعاثات الضارة؛ وذلك للحفاظ على سلامة المناخ.

google-playkhamsatmostaqltradent