recent
عـــــــاجــــل

التضخم الأخضر بين الحفاظ على المناخ وارتفاع الأسعار

الصفحة الرئيسية

 


التضخم الأخضر بين الحفاظ على المناخ وارتفاع الأسعار


 


















"إن التكاليف الإجمالية لمصادر الطاقة المتجددة ستتجه نحو الانخفاض؛ نظرًا لوجود عدد قليل من العوائق أمام التوسع"


هاري بويد كاربنتر، العضو المنتدب للاقتصاد الأخضر وتغير المناخ في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)

 

بدأ العالم في الآونة الأخيرة في الاتجاه إلى الاقتصاد الأخضر؛ نظرًا للتغيرات المناخية الحادة التي بات يشهدها من جراء الاحتباس الحراري الناجم عن الغازات الدفيئة وانبعاثات الكربون، وعلى إثر ذلك توجه الدول جزءًا من ميزانيتها للإنفاق على السياسات الخضراء، وكذلك تحفيز الشركات والقطاع الخاص على التوجه نحو مصادر الطاقة الأكثر استدامة، ومع التوجه العالمي للطلب على تلك المصادر النظيفة ترتفع قيمة المواد الخام المستخدمة لتوليدها، وهو ما أُطلق عليه مصطلح "التضخم الأخضر".

 

ما التضخم الأخضر؟

إن «التضخم الأخضر» ناتج عن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، حيث إن زيادة الطلب على المواد اللازمة لبناء اقتصاد أنظف، مع تشديد اللوائح التي تحد من عرض المواد الخام عن طريق تثبيط الاستثمار في المناجم أو المصاهر أو أي مصدر ينبعث منه الكربون، تكون نتيجتها غير المقصودة هي "التضخم الأخضر"، أي ارتفاع أسعار المعادن، مثل النحاس والألومنيوم والليثيوم، الضرورية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية وغيرها من التقنيات المتجددة. وبعبارة أخرى يعتبر التضخم الأخضر هو تكلفة تحول مصادر الطاقة، والتي ستكون أقل بكثير من تكلفة تغير المناخ.

 

التحول من مصادر الطاقة التقليدية للطاقة النظيفة

إن بناء الاقتصادات الخضراء يتطلب الآن المزيد من النفط في الفترة الانتقالية؛ لأن تكلفة السيارات الكهربائية والطاقة الخضراء لن تنخفض بالسرعة المأمولة،ونظرًا للتوجه العام للدول نحو التقليل من انبعاثات الكربون ورغم ارتفاع أسعار النفط، فإن الاستثمار من قِبل شركات النفط والغاز الكبرى والدول مستمر في الانخفاض، حيث تعيد القوى النفطية اكتشاف نفسها كقوى طاقة نظيفة.


كما ارتفعت أسعار المعادن -مثل القصدير والألومنيوم والنحاس والكوبالت والنيكل، والتي تعتبر ضرورية لتقنيات مصادر الطاقة النظيفة- ما بين 20٪ و91٪ عام 2021، وتتوقع شركة Allied Market Research أن تنمو سوق الطاقة المتجددة العالمية -التي قُدرت قيمتها بأكثر من 881 مليار دولار في عام 2020- بأكثر من الضعف ليصل إلى ما يقرب من 2 تريليون دولار بحلول عام 2030.


 


التضخم الأخضر بين الحفاظ على المناخ وارتفاع الأسعار


ويُذكر أن الطاقة المتجددة تتطلب أسلاكًا أكثر من مصادر الطاقة التقليدية، حيث تستخدم محطات الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح ما يصل إلى ستة أضعاف النحاس الذي تتطلبه مصادر الطاقة التقليدية. وعلى مدار الثمانية عشر شهرًا الماضية، عندما أعلنت الحكومات عن خطط وتعهدات جديدة للإنفاق الأخضر، زاد المحللون بشكل مطرد من تقديراتهم للنمو في الطلب على النحاس؛ وذلك نظرا لأن العرض المتزايد على مصادر الطاقة النظيفة يؤدي إلى زيادة التضخم الأخضر. وقد ارتفع –بالفعل- سعر النحاس بأكثر من 100% في أوائل عام 2021، بينما ارتفع سعر الألومنيوم بنسبة 75% مقارنة بعام 2020. على غير المعتاد، وبالكاد انخفض صعودهما مع ظهور علامات تراجع في النمو العالمي مؤخرًا.

 


التضخم الأخضر بين الحفاظ على المناخ وارتفاع الأسعار

 


معضلة مصادر الطاقة النظيفة الملوثة للبيئة:

 

إن معظم مصادر الاقتصاد الأخضر -مثل النحاس والألومنيوم والليثيوم (أهم المدخلات للطاقة النظيفة)- ليست خضراء حقًا، حيث يعتبر الليثيوم مكونًا رئيسا لتصنيع البطاريات القابلة لإعادة الشحن، لكن استخراجه يتسبب في تلوث الهواء. وبالمثل، يعد الألومنيوم، وهو معدن حيوي لمشاريع الطاقة الشمسية والخضراء، أحد أكثر المعادن تلويثًا عند استخلاصه وتنقيته، ومن المتوقع أن يواجه زيادة حادة بشكل خاص في الطلب في العقود المقبلة؛ لذا فإن الجهود المبذولة لجعل الحصول على هذه العناصر أقل تلويثًا للبيئة ستعمل على جعلها أكثر تكلفة أيضًا.

 

وقد انخفض الاستثمار في هذه المعادن بسبب القضايا البيئية، فبينما يحتاج العالم إلى مزيد من النحاس للتحول الأخضر، قام علماء البيئة مؤخرًا بوقف منجم جديد في ألاسكا بسبب مخاوف على البيئة المحلية.  وفي تشيلي وبيرو اللتين يأتي منهما ما يقرب من 40% من إمدادات النحاس، أصبحت مشاريع التعدين تستغرق عشر سنوات أو أكثر بعد أن كانت تستغرق خمس سنوات؛ وذلك بسبب آثارها البيئية، فعلى سبيل المثال، لايزال أحد مشاريع النحاس الكبيرة في بيرو غير مكتمل؛ بسبب مخاوف المجتمع المحلي من تأثيراته السلبية المحتملة على البيئة.

 

كذلك، فإن الصين التي كانت موردا رئيسا للسلع، والتي تنتج المواد الخام بشكل مفرط مثل خام الحديد والصلب، وتلقي الفائض في الأسواق الخارجية، قد خفضت الآن الإنتاج كجزء من خطتها  للوصول إلى حياد الكربون، حيث يأتي ما يقرب من 60% من الألومنيوم من الصين التي أوقفت مصنع صهر جديد للألومنيوم بسبب انبعاثاته الكربونية.

 

اتجاهات التحرك للتقليل من حدة التضخم الأخضر:


تشير فجوات العرض في مصادر الطاقة، مع ارتفاع أسعار الكربون، إلى أن العالم يمكن أن يشهد لفترة طويلة ارتفاع تكاليف الطاقة؛ مما يشكل خطرًا على المستهلكين والشركات وأهداف استقرار الأسعار للبنوك المركزية. وإذا لم تخفَّ قيود العرض، فإن  تكلفة الطاقة الخضراء ستجعل الانتقال للاقتصاد الأخضر وتحقيق أهداف المناخ بعيدة المنال بالنسبة للعديد من المجتمعات.

 

لذا؛ يمكن تقليل أقساط التأمين الخضراء بجعل المصادر الخالية من الكربون أرخص (والتي تتضمن الابتكار التقني)، أو من خلال جعل المصادر التي ينبعث منها الكربون أكثر تكلفة (والتي تتضمن ابتكار سياسات)، أو عن طريق القيام بمزيج منهما؛ لخلق حافز للمخترعين لإيجاد بدائل تنافسية خالية من الكربون. ومن خلال زيادة سعر الكربون بشكل تدريجي ليعكس تكلفته الحقيقية، يمكن للحكومات دفع المنتجين والمستهلكين نحو قرارات أكثر كفاءة، وتشجيع الابتكار الذي يقلل من أقساط التأمين الخضراء.

 

 لكن عندما يتم الإبقاء على سعر الوقود مرتفعًا، من المحتمل أن يزداد التضخم الأخضر، غير أنه قد يكون هناك اضطرر إلى إبقاء الأسعار مرتفعة لجعل البدائل أكثر جاذبية، إلا أن الجمع بين القدرة الإنتاجية غير الكافية للطاقات المتجددة على المدى القصير، والاستثمارات الضعيفة في الوقود الأحفوري، مع ارتفاع أسعار الكربون، يعني المخاطرة بمواجهة فترة انتقالية طويلة الأمد من ارتفاع أسعار الطاقة، وأسعارُ الغاز المرتفعة الآن مثالٌ على ذلك.

 

كما يمكن مواجهة الطلب المرتفع على المعادن من خلال الاتجاه نحو رفع الكفاءة، فبدلا من صنع بطاريات عملاقة للشاحنات الكهربائية، يمكن استخدام المواد بشكل أكثر قدرة وكفاءة، أو الترويج لبدائل مثل الشاحنات الصغيرة.

 

خاتمة:

 

أصبح جليًّا أن استخدام المصادر القديمة للطاقة في بناء الاقتصاد الأخضر لا بد فيه من التوازن، حيث إن حظر المناجم وحقول النفط الجديدة له آثار سلبية ستؤدي إلى ارتفاع أسعار مصادر الطاقة بكافة أنواعها؛ لذا ينبغي على الحكومات إدراك أن محاولة إغلاق الاقتصاد القائم على الموارد النفطية بسرعة كبيرة -دون دراسة وتخطيط جيد- تهدد إمكانية بناء اقتصاد نظيف.




التضخم الأخضر بين الحفاظ على المناخ وارتفاع الأسعار



google-playkhamsatmostaqltradent