قراءة في المجموعة القصصية "من وحي الرسالة الأخيرة" للدكتور أحمد مصطفى قراءة: د. سعيد محمد المنزلاوي
recent
عاجـــــــــــــل

قراءة في المجموعة القصصية "من وحي الرسالة الأخيرة" للدكتور أحمد مصطفى قراءة: د. سعيد محمد المنزلاوي

قراءة في المجموعة القصصية "من وحي الرسالة الأخيرة" للدكتور أحمد مصطفى
قراءة: د. سعيد محمد المنزلاوي


عرض. طارق عتريس أبو حطب 

عزيزي القارئ الكريم نطوف بك اليوم في رياض النقد الأدبي مع هذه القراءة النقدية بعين الناقد الحصيف الدكتور سعيد محمد المنزلاوي للمجموعة القصصية "من وحي الرسالة الأخيرة" للقاص الدكتور أحمد مصطفى متولي راجيا لك المتعة و الإفادة. 


عدد القصص التي تضمها المجموعة القصصية بين دفتيها ثمان عشرة قصة، يغلب عليها تداعي الذكريات وتسجيل لمرحلتي الطفولة والشباب بما حملته الذاكرة من ذكريات عن الشخصيات والتي تحمل معها نكهة المكان وعبق الزمان.
تبدأ المجموعة بقصة تحمل عنوان "الوسية"، والتي تتكون من عدد من الأخبار التي تتآزر معًا في حزمة واحدة مشكلة نسيج القصة؛ والتي يبرز فيها المكان (الوسية) شاخصًا تنضم حوله حلقات السرد، فيهيمن عليها جميعًا، ويصبح هو الشخصية الرئيسة في القصة، والتي تتلخص في الحرمان من أجر العمل باليومية بسبب عراك بين أحد العمال ورئيس الأنفار، عندما بال ابن لأحد أقارب رئيس الأنفار على جوال القطن، واتهم أحد الأنفار بهذا الفعل، مما أدى إلى مشادة كلامية قادت إلى تشابك بالأيادي في معركة غير متكافئة، "وكل خولي يأتي بعصاه، الضرب فوق أجسادنا ورءوسنا، جرينا هربًا، حتى وصلنا الممر". كان الضرب شديدًا "وانزوينا في مكان بعيد، لا نرى إلا لوزات القطن تعانق ركبتنا من شدة الضرب". وكعادة القروي فإنه لا يقوى إلا في بيئته بين أهله وذويه، لذلك عند عودتهم إلى بلدتهم أسرعوا "الخطا للمقابر منتظرين قدوم هذا الأسود وعصبته". وتختم القصة بهذه المفارقة اللاذعة "تأخر الركب، فهدأت العاصفة، رجعنا للبيت على أمل القصاص حين يعود هذا الرجل الضخم الأسود إلى بيته يوزع الأجرة التي سنحرم منها بعد هذا الصراع المرير". فالصراع الحقيقي في قصة "الوسية" كان هو الأجرة، والتي جعلت طفلًا صغيرًا يخرج للعمل بربع الأجر، وجعلتهم يتحملون المشقة وطول الشقة.
القصة الثانية تحمل عنوان "موجًا يكون الحب"، وهو عنوان مراوغ، يشي بالحديث عن تقلبات الحب على قلب الشخصية الرئيسة، والتي تقطن قرية من قرى ريفنا والتي ينتشر فيها السحر والشعوذة والأعمال. وتبدأ العقدة من إحضار سيدة عجوز لحجاب كي توقع الفتاة لتكون من نصيب ابنها. وتتقلب حياة الفتاة كالموج وتضمر صحتها وبعد رحلة من العلاج لم تفلح، يلجئون إلى السحرة والدجالين، حتى تبرأ. وهناك إشارتان لمسلسلين دراميين الأول " ذئاب الجبل"، والثاني "رحلة السيد أبيو العلا البشري" كمعادل موضوعي لتفلبات حياة الفتاة بعد أن كانت تسير على وتيرة ثابتة. فبعد لقائها الأول بالعجوز شعرت لأول مرة بأنوثتها فحين اجتمعت الأسرة كلها على المائدة ذكورًا وإناثًا وكانت هي "تتوسطهم بفستانها المزركش بأزهار الربيع وضفيرة شعرها الأسود الداكن الذي يشبه سواد الليل". وقد أنهى الكاتب قصته بموقف مغاير عن العقدة الواردة في القصة، فكان يمكن أن ينهيها عند هذه النقطة "وخرج الجميع في أمان الله لتزف الفتاة إلى زوجها" دون الحاجة إلى تفاصيل أخرى.
وتسرد قصة "غرامة" حكاية شرطي عبَر رصيف المحطة بطريقة غير شرعية وصورته الكاميرات، وفي ذات الوقت عبر غيره، ولكنه وحده الذي دفع الغرامة وقدرها خمسون جنيهًا، كانت عطيته من مأمور القسم؛ ليشتري بها شيئًا لعياله. لتنتهي القصة بهذه المفارقة اللامزة من أحد الركاب للشرطي: "وليتك تصلح ما بينك وبين الكاميرا".
وتسلط قصة "القطار" الضوء على رجل نسي حافظته وبها تذكرة القطار، لتتكشف مشاعره الوجلة عندما اقترب منه الكمساري، يطلب منه أنه يرى تذكرته، ولكنه انشغل عنه فتجاوزه؛ مما جعله يتنفس الصعداء.
وتعود بنا قصة "متسولة" لأحداث فيلم "باب الحديد" فالشخصية المشاركة تشبه بطلة الفيلم "هند رستم" وتمتهن مهنتها، ويعزم الراوي على خطبتها رغم الفارق الاجتماعي بينهما، حيث يعمل موظفًا حكوميًّا؛ لتحدث المفارقة في الختام، حين يجابه بالرفض من والدها لأن ابنته تجني من التسول أربعمائة جنيه يوميًّا.  
وتمثل مفارقة الموقف تيمة في عدد من القصص، "جزمة أبي التي جعلتني أستاذًا"، و"جعلوني معلم كيمياء" عن عامل بإحدى الدول العربية، والذي تحول عن طريق المصادفة إلى معلم كيمياء. وكذلك قصة "كورونا الوجه الآخر"، والتي تحكي عن فرحة أحد المصابين في العزل الصحي، عندما خرجت مسحته سلبية، لكنه كتم فرحته مراعاة لمشاعر المصابين.
ويأتي النقد الاجتماعي في قصة "الرجل المِناسب" والتي تحكي إحدى صور العوار الوظيفي، والتي ترفع من لا يستحق فقط لأنه يمت لأحد المسئولين بصلة نسب.     
ويبرز في القصص التالية خيط من الذكريات تتداعى من مراحل الطفولة والصبا وبواكير الشباب، يتجلى في مناح ثلاثة: يتصل الأول منها بأسرته، وهي "أمي"، "الباتعة أم محمود"، "موت".
ويستدعي في ثانيها زملاء الدراسة، وهي "شجار"، "غرور"، وقصة "سكتة قلبية"، والتي تخبر عن وفاة زميل له أثناء لعب كرة القدم.
في حين يحتل المنحى الثالث الحب العذري في ثلاث قصص، هي "قطعة شكولاتة"، "مع الذكريات"، والتي تحكي لقاءه صدفة مع محبوبته، ولكن بعد عشر سنوات صارت فيها زوجة وأمًا، أجدب قلبها بينما قلبه الغض لا يزال مفعمًا بذكريات حب غض ونضير. وقصة "من وحي الرسالة الأخيرة"، والتي تحمل اسم المجموعة القصصية، والتي قسمها أحد عشر مقطعًا، حمل كل مقطع منها عنوانًا ثانويًا. وفي هذا الجانب يبدو استدرارًا لذكريات حب لم يبق منه إلا الذكريات، وإلا لقاءً عابرًا أيقظ كامن الذكريات التي أقضت مضجعه، ولم تُبق له إلا المرارة والحسرة. 
ويغلب الوصف بشكل ملفت مما يعوز إلى دراسة مستقل، فللقاص نفس طويل في السرد، وهو حين يمتح من معين الذكريات يحمل معه عبق المكان ومعالم الزمان، وتبدو حميمية الشخصيات التي رسمها، فكأننا نعرفهم أو التقينا ببعضهم.
كانت هذه إبحارًا ماتعًا في المجموعة القصصية "من وحي الرسالة الأخيرة" للدكتور أحمد مصطفى، مما يبشر بميلاد قاص حكاء من الدرجة الأولى. أبحر معكم فيها دكتور سعيد محمد المنزلاوي، دكتوراة في الأدب والنقد في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف.
الاثنين 23/1/2023م
قراءة في المجموعة القصصية "من وحي الرسالة الأخيرة" للدكتور أحمد مصطفى قراءة: د. سعيد محمد المنزلاوي
دكتور طارق عتريس أبو حطب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent