الدراما ليست المتهم الوحيد.. أزمة الطلاق في مصر
بقلم: حسن سليم
جاء تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي حول دور الدراما في ارتفاع نسب الطلاق ليعيد النقاش العام حول الأزمة الأسرية في مصر إلى الواجهة من جديد. فقد أكد الرئيس أن ما تقدمه الدراما من نماذج لمستويات معيشية مرتفعة داخل بيوت فاخرة لا يستطيع ثلثا المصريين الوصول إليها، قد رسخ حالة من المقارنة الدائمة لدى بعض السيدات، فتولد الشعور بعدم الرضا وبدأت الخلافات تتزايد ومن ثم ارتفعت نسب الطلاق.
ورغم أن ما أشار إليه الرئيس يمثل جانبًا لا يمكن تجاهله في تشكل الوعي المجتمعي، فإن إرجاع أزمة الطلاق إلى الدراما وحدها يبدو بعيدًا عن الصورة الكاملة. فما يعرض على الشاشة ليس سوى عامل إضافي داخل منظومة اجتماعية أكبر بكثير، تتشابك فيها القوانين، والثقافة، والأوضاع الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وطريقة بناء الأسرة وإدارة الخلافات.
وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء، سنجد أن الدراما المصرية، منذ أيام الأبيض والأسود، كانت تعرض قصورًا وفيلات وعزبًا فخمة، وكانت تلك الصور تبدو بمثابة عالم آخر مقارنة بحياة غالبية المصريين البسيطة. ومع ذلك، لم يكن لارتفاع مظاهر الرفاهية على الشاشة أي تأثير مباشر في زيادة نسب الطلاق آنذاك، بل كانت معدلات الطلاق في الستينيات والسبعينيات منخفضة للغاية مقارنة بما نشهده اليوم.
لم تكن الأسرة المصرية قبل عقود تملك الإمكانات التي تعرض في السينما، ولم يكن المصريون في معظمهم قادرين على توفير حياة مشابهة لتلك التي تقدمها الدراما، ومع ذلك لم يكن ذلك سببًا في تفكك البيوت. إذًا، المشكلة ليست في “الصورة الجميلة”، بل في عناصر أخرى مست بنية الأسرة فعليًا وجعلت من الخلافات البسيطة مدخلًا لانهيار البيوت.
إن مقارنة الماضي بالحاضر تؤكد أن الدراما كانت دائمًا موجودة، وأنها لم تكن في يوم من الأيام هي المتهم الأساسي في تفاقم المشكلة، وإن ساهمت في بعض الحالات في خلق توقعات غير واقعية لدى البعض. لكن السبب الجوهري الذي أدى إلى بلوغ نسب الطلاق معدلات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة يتعلق بعامل أكثر تأثيرًا، وهو القوانين المنظمة للعلاقة الزوجية، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية.
فمنذ سنوات طويلة، يتعرض قانون الأحوال الشخصية لانتقادات واسعة من مختلف فئات المجتمع، سواء رجالًا أو نساءً، باعتباره أحد أهم الأسباب التي حولت مؤسسة الزواج إلى ساحة صراع بدل أن تكون إطارًا للمودة والرحمة، فبدلًا من أن يكون القانون آلية لحماية الأسرة، أصبح – وفق ما يراه كثيرون – وسيلة توظفها بعض الأطراف لتحقيق مكاسب أو ممارسة ضغوط.
الكثير من الرجال يؤكدون أن القانون الحالي يحول الزواج إلى مخاطرة كبيرة، ويعتبرونه قانونًا جائرًا لأنه يمنح الزوجة قدرة هائلة على نقل الخلافات إلى ساحات المحاكم لأتفه الأسباب، لتحصل من خلالها على سيل من الحقوق حتى لو لم تكن مظلومة بالفعل.. فبين النفقة، والمتعة، والعدة، والحضانة، ومسكن الحضانة، وقائمة المنقولات، أصبح الطلاق بالنسبة للبعض “مشروعًا مربحًا”، وليس نهاية علاقة لم تعد قابلة للاستمرار.
وهذا لا يعني أن كل النساء يستعملن القانون بشكل سيئ، فهناك حالات كثيرة لسيدات مظلومات بالفعل، ويستحقن الحماية والإنصاف. لكن المشكلة تكمن في أن القانون بصيغته الحالية يفتح الباب أمام الاستغلال، ويعطي امتيازات مطلقة لطرف على حساب الآخر، ما أدى إلى خلل واضح في توازن العلاقة الزوجية، وخلق موجة من النزاعات التي انتهت في المحاكم بدل جلسات الصلح.
وتشير شهادات كثيرة من رجال خاضوا تجربة الطلاق إلى أن بعض الزوجات يلجأن إلى المحاكم للحصول على أكبر قدر من الحقوق، ليس بدافع الضرر الحقيقي، بل بدافع الطمع أو الانتقام، وهو ما أدى إلى تفاقم مشكلات الطلاق وتزايد حالات لجوء النساء إلى القضاء حتى في الخلافات العادية التي كان يمكن حلها داخل الأسرة بسهولة.
فوجود منظومة تمنح طرفًا واحدًا فرصة الحصول على مجموعة واسعة من الحقوق بمجرد رفع دعاوى، جعل الطلاق في نظر البعض “صفقة رابحة”، خصوصًا مع ارتفاع قيم النفقات والأحكام المالية، وإمكانية حجز ممتلكات الزوج أو حبسه في حال التأخر في التنفيذ، الأمر الذي حول الخلافات الزوجية إلى تهديد مباشر للاستقرار المادي والاجتماعي للرجل، وبالتالي الأسرة بأكملها.
إن هذا الخلل التشريعي هو ما دفع العديد من الأصوات إلى المطالبة بإعادة النظر في القانون، ووضع ضوابط أكثر عدلًا تضمن حماية المرأة دون ظلم الرجل، وتحفظ كيان الأسرة دون أن تفتح الباب للاستغلال.
ومن أبرز البنود التي يعتبرها كثيرون سببًا رئيسيًا في تفاقم أزمة الطلاق بند الحضانة، فالقانون الحالي يمنح الأم الحق في حضانة الأطفال لسنوات طويلة، بينما يحرم الأب من رؤية أولاده إلا ساعات محدودة في الأسبوع داخل مراكز الرؤية، وهو ما تسبب في معاناة نفسية كبيرة للأطفال والآباء على حد سواء.
الفقه الإسلامي حدد سن الحضانة بسبع سنوات للولد وتسع للبنت، ليبدأ بعدها انتقال الحضانة بما يحقق مصلحة الطفل وفق القواعد الشرعية المستقرة. ويرى خبراء شؤون الأسرة أن هذا التصور هو الأكثر حفاظًا على التوازن النفسي للطفل، ويضمن وجود دور فعلي وحقيقي للأب في التربية، بدلًا من الدور الشكلي الذي آل إليه الوضع الحالي في ظل القوانين القائمة، لأن إطالة فترة الحضانة بشكل مبالغ فيه خلقت واقعًا غير صحي؛ فالأب يشعر أنه فقد دوره، والطفل ينمو في بيئة أحادية الوالدين، والأم تجد نفسها تتحمل مسؤوليات نفسية واجتماعية ومادية ضخمة، وكل ذلك ينعكس في النهاية على المجتمع نفسه.
إن استمرار تطبيق قوانين تعزز النزاعات وتفكك الأسر يمثل تهديدًا مباشرًا للبنية الاجتماعية المصرية، فالأطفال الذين ينشأون بين نزاعات المحاكم وغياب الأب أو الأم يصبحون أكثر عرضة للمشكلات النفسية، والانحراف، وضعف الانتماء الأسري، والأسرة هي الوحدة الأولى في بناء المجتمع، وإذا تهاوت هذه الوحدة تحت ضغط قوانين غير منصفة أو سياسات غير عادلة، فإن المجتمع برمته يصبح مهددًا بالتفكك.
لذلك لا يمكن تحميل الدراما وحدها مسؤولية أزمة الطلاق، فالدراما كانت وستظل انعكاسًا للواقع وليست سببًا في تغييره. أما التشريعات فهي التي تصنع الواقع، وتنظم العلاقات، وتحمي الحقوق، وتمنع تحول الخلافات إلى معارك قانونية.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تعديل قانون الأحوال الشخصية بما يحقق التوازن بين الرجل والمرأة، ويعيد للأسرة المصرية استقرارها الطبيعي. ومن أبرز النقاط التي يجب إعادة النظر فيها هى إعادة سن الحضانة إلى السن الذي حدده الفقهاء، بما يحقق مصلحة الطفل وحق الأب في دوره التربوي، ووضع ضوابط صارمة تمنع إساءة استخدام القانون في قضايا النفقة والحقوق المالية، و تنظيم الرؤية بشكل إنساني، يسمح للأب بالتواجد مع أبنائه بشكل طبيعي وليس ساعات محدودة داخل مراكز مغلقة، وتحقيق العدالة المتوازنة بحيث يحصل كل طرف على حقه دون ظلم أو مبالغة.
فما نشهده اليوم من ارتفاع غير مسبوق في نسب الطلاق هو نتيجة تراكمات تشريعية واجتماعية واقتصادية امتدت لسنوات، ومعالجة هذه الأزمة لن تكون عبر تعديل الخطاب الدرامي فقط، وإنما من خلال إصلاح جذري لقانون الأحوال الشخصية، وإعادة بناء منظومة تحمي الأسرة لا تهدمها.
