recent
أخبار ساخنة

«حضن دافئ».. قصة قصيرة بقلم: سعيد المنزلاوي



«حضن دافئ».. قصة قصيرة بقلم: سعيد المنزلاوي

«حضن دافئ».. قصة قصيرة بقلم: سعيد المنزلاوي


من أجل أن تستقيم البيوت ولا تنهار، كانت هذه القصة، لعلها تنقذ بيتًا واحدًا من الانهيار. 

 "كنتُ مثلك، أحيا في تعاسة لا حد لها.. لا يمكن أن يتخيل أحد ما كنت أمر به من مآسٍ ومحن، ومع ذلك كنت صامدة صمود الجبال في مواجهة العواصف التي كادت أن تقوض بنيان بيتي، وظللت واقفة على قدميَّ، بالرغم من تلك الهزات المتتابعة عليَّ". 

 كان وجهها أسمر نحيلًا، ولكنه يحمل من الطيبة ما يجعله يشع بنور شفيف لا يراه إلا من تسمح له بالاقتراب منها، وكنت أنا واحدة ممن حظيت بالقرب من تلك الجارة الطيبة الحنون.

جئتها وقد سيطرت عليَّ فكرة الانفصال عن زوجي؛ فلم أعد قادرة على تحمل العيش معه، تحت سقف بيت واحد. وكانت جارتي، تسرد عليَّ قصة ثباتها؛ من أجل أن يبقى بيتي ولا ينهدم منه ركن واحد. 

 كانت الكلمات تنساب من فمها في حماسية تلهب العواطف، شعرت بالصدق في كلماتها، وكأنها يد حانية تربت على كتفيّ؛ كي تعيد إليَّ توازني من جديد.

 كنت أمر بعاصفة من تلك العواصف التي تطيح بكثير من البيوت الهشة الواهية؛ فتقوضها ثم تمحوها، فتمسي أثرًا بعد عين.

 - اسمعي يا ابنتي..

 فأصغيت إليها السمع، وكلي آذان مصغية.

ضغطت بإبهامها على فخذي؛ كأنما تريد أن تغرس فيَّ كلماتها غرسًا.

 - تعلمين أنك عندي بمنزلة البنت، لو كانت لي ابنة، ما أحببتها كما أحببتك.

 عرفت كيف تلج إلى قلبي من أقصر طريق. دنت مني، ودنوت منها أكثر. أحسست بها أمي التي لم تلدني. وصرت متهيئة تمامًا لتلقي كل ما سوف تمليه عليَّ.

 - لا تخوني أولادك.

 صفعتني الكلمة، كيف أخون أولادي، وهم فلذة كبدي، إنهم بضعة مني.

 رفعتُ إليها عينين متسائلتين، تنهدتْ وهي تربت على خدي بحنان بالغ، كأنما تريد أن تُذهب عنه ألم الصفعة.

 - لا تخوني أولادك؛ بأن تحرميهم من وجود أب وأم بينهم.

 كان وجهي جامدًا، كأنما قد من صخر، فقرأتْ في جموده، عدم فهمي لما تريده مني، فأردفت: 

 - سأبسط لك الأمر، ماذا لو وقع الطلاق بينك وبين زوجك؟! ماذا سيكون مصير أولادكما؟

 كان سؤالها أشبه بمن يدلق عليك ماءً باردًا وأنت غارق في سبات عميق.

 انتبهت من سباتي، كيف لم أفكر في مصير أطفالي؟ ما هذه الأنانية!

 إنني في غمرة صراعي مع زوجي، لم أفكر إلا في نفسي وفقط.

 شردتُ طويلًا وأنا أتخيل مصير أطفالي بعد وقوع الطلاق؛ مع مَن سيكونون؟ وكيف سيصبح حالهم إن ابتعدوا عني أو عن أبيهم؟

 عدت من شرودي على قولها لي:

 - وهذا ما يجب عليك أن تضعينه في الحسبان؛ مصير أولادك، فلذات كبدك.

 رفعت إليها عينين متسائلتين، ابتسمت قبل أن تضمني إلى صدرها، ثم قالت:

 - أطفالك يحتاجون هذا الحضن الدافئ منك ومن أبيهم.

 أرادت أن تنزع نفسها؛ فتعلقت بها أكثر، كنت أشعر بحاجتي إلى ذا الحضن الدافئ. ضمتني إلى صدرها في حنان بالغ، قبل أن تقول:

 - كلنا يحتاج إلى هذا الحضن، كبارًا كنا أو صغارًا؛ فالحضن حياة.

 بعد أن شبعت من حضنها الدافئ، وضعت كفيها على فخذي، ونصبت عينيها في عينيَّ، كانت حريصة ألا تنفلت كلمة واحدة مما ستمليه عليَّ.

 - بنيتي، لا توصدي الباب؛ فلربما كان الأمل مختبئًا في زاوية ما خلف الباب.

 عدت إلى بيت زوجي بحال غير التي خرجت بها. كانت الشقة مبعثرة، وكان الأولاد لا يزالون نائمين، ذهبت إلى غرفتهم، قبلتهم، فتحوا أذرعتهم الصغيرة لي، ضممتهم في حنان، كنت في حاجة إلى حضنهم، أكثر من حاجتهم إلى حضني. نهضوا معي، وقمنا جميعًا بإعادة ترتيب أثاث البيت، ثم انهمكت في المطبخ في إعداد (أكلة) يحبها زوجي كثيرًا.

 في المساء كان الطعام على المائدة، مع ضوء الشموع والموسيقا التي يحبها زوجي.

 لم نتعاتب، تناسينا ما كان بيننا، ثم صارت ليالينا دافئة وهانئة.


google-playkhamsatmostaqltradent