recent
عـــــــاجــــل

أسماء الأباصيري تكتب: لما كنا صغيرين

 

أسماء الأباصيري تكتب: قفص من حديد وقلوب من صخر

أسماء الأباصيري تكتب: لما كنا صغيرين


حين كنا صغيرين، كانت الحياة تُعاش بتفاصيل مختلفة، كانت أوسع رغم ضيق المكان، وأعمق رغم بساطة الأشياء. 

كان هناك نمط يومي ينسجه الخيط الرفيع بين العادات والتقاليد والدين، ليس كقواعد صارمة، بل كإيقاع طبيعي للحياة. 

كانت الصلوات تجمعنا، والمواعيد تحترم، والكبير يُوقَّر، والصغير يُحمى، كل ذلك من غير حواجز.

كنا نعيش في عالم حيث العائلة لا تنتهي عند باب الشقة، بل تمتد إلى أطراف الحارة. 

كانت الأمهات يتبادلن أطباق الطعام، والأطفال يلعبون معاً في الفناء، وصوت الضحك يملأ الممرات. 

الجيران لم يكونوا مجرد سكان بجوارنا، بل كانوا سنداً في السراء والضراء. 

كنا نعرف أسماء الجميع، ونسأل عن الغائب، ونفرح لفرحهم، كما إذا كان فرحنا نحن. كان هناك شعور غامر بالأمان، لأن "الكل خايف على الكل"، هذه العبارة البسيطة كانت تلخص فلسفة حياتية كاملة.

التراث في تلك الأيام لم يكن شيئاً نقرأ عنه في الكتب، بل كان حياً نعيشه. 

حكايات الجدات، والأغاني الشعبية، والأعياد التي تجمع كل الحي، وطقوس القهوة الصباحية، كلها كانت خيوطاً تنسج ذاكرة جماعية دافئة. 

لم تكن هناك هواتف تلهينا، فكنا نتواصل بالنظر والعناق والكلمة الطيبة. الحب لم يكن يحتاج إلى شرح، كان موجوداً في كل حركة، في كل نظرة، في كل تصرف بسيط.

اليوم، تغيرت الصورة، صرنا نعيش في غرف مغلقة، نسمع أصواتاً عبر الشاشات، ولكن قلوبنا قد تكون أبعد من أي وقت مضى. 

طغت السرعة على حياتنا، وغابت البساطة، وحلّت الفردية محل الروح الجماعية. 

نبحث عن السعادة في أماكن بعيدة، وقد ننسى أنها كانت بيننا في تلك التفاصيل الصغيرة التي تركناها خلفنا.

لكن الذكريات تبقى كنور خافت يذكرنا بأن الدفء الإنساني لا يزال ممكناً. ربما لا يمكننا العودة بالزمن، لكننا نستطيع أن نختار أن نحمل شيئاً من تلك الروح إلى حاضرنا. 

أن نفتح الباب للجيران، أن نعود لزيارة الأقارب، أن نعيد الثقة والبساطة إلى علاقاتنا. 

التراث الحقيقي ليس في الأشياء القديمة، بل في القيم التي تجعلنا بشراً متحابين، متكاتفين، قادرين على أن نكون "عيلة" مرة أخرى، حتى لو اختلفت أشكال البيوت واتسعت الشوارع.

في النهاية، تبقى تلك الأيام مدرسة حب لا تنتهي، تذكرنا أن الإنسان، في أصله، كائن يحتاج إلى القلب قبل كل شيء، وإلى الآخر ليكون إنساناً.


google-playkhamsatmostaqltradent