حاتم السعداوي يكتب: سقوط فكرة السقوط على يد بوتين
ترامب ارتكب الخطأ ذاته الذي ارتكبه هتلر حين استهان بالدب الروسي واعتقد أنه قادر على إخضاع روسيا في وقت قصير. ذلك الخطأ كان نقطة التحول التي أنهت الحرب بالنسبة لهتلر وقادته في النهاية إلى الهزيمة والانتحار.
الفكرة ذاتها تتكرر اليوم بصورة مختلفة. عندما استولى ترامب على سفينة روسية من بين أسطول الظل كان ذلك بمثابة ضربة قوية، إلا أن رد الفعل الروسي اقتصر وقتها على الشجب والتنديد. كان من الممكن لترامب أن يكتفي بذلك، لكنه اندفع بدافع جنون العظمة وقرر تكرار الخطوة والاستيلاء على سفينة روسية ثانية، وهو ما وضع بوتين في موقف لا يسمح له بالصمت.
في الوقت نفسه لم يكتف ترامب بالتصعيد مع روسيا، بل انتقل إلى جبهة أخرى أكثر حساسية وهي إيران، باعتبارها أحد أهم حلفاء موسكو في حربها ضد أوكرانيا، خاصة بعد أن زودت روسيا بطائرات شاهد المسيرة ثم منحتها لاحقًا خط الإنتاج تحت اسم Geran 2. ضرب إيران يعني إضعاف روسيا، وفي الوقت ذاته تعزيز النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط، وهو ما جعله يدفع الموساد لتنشيط شبكاته داخل إيران، فتصاعدت الاحتجاجات واندلعت مواجهات بين معارضين ومؤيدين وقوات الأمن وسقط قتلى ومصابون من الأطراف الثلاثة.
ولم يتوقف ترامب عند ذلك، بل أطلق تصريحًا خطيرًا حين قال إن أمر تايوان متروك للصين وإن الرئيس الصيني يمكنه أن يفعل ما يريد. ظاهريًا يبدو التصريح تهدئة لبكين، لكنه في جوهره محاولة لدفع الصين إلى صدام عسكري مع تايوان، بما يضمن انشغالها طويلًا في حرب استنزاف، بينما يتحرك ترامب بحرية في ملفات أخرى مثل جرينلاند، ثم يعود لاحقًا لتأجيج الداخل التايواني ضد بكين. غير أن القيادة الصينية بدت مدركة لهذا الفخ، ولذلك التزمت الهدوء.
أما بوتين فاختار الرد بطريقة مركبة. فعلى الصعيد العسكري والاستراتيجي عزز تحالفه مع إيران عبر استكمال صفقة طائرات Su-35، وتأمين حصول طهران على رادارات ووسائل اتصال وملاحة متقدمة عبر الصين، في مقابل شحنات ضخمة من الذهب. ثم جاءت الضربة الروسية الكبرى حين استخدم صاروخًا فرط صوتي لضرب مواقع أوكرانية شملت طائرات أمريكية كانت واشنطن قد سلمتها لكييف، إضافة إلى استهداف مدينة لفيف القريبة من بولندا، في رسالة مباشرة إلى الناتو وترامب معًا.
بالتوازي، أحكمت إيران قبضتها الأمنية داخليًا ودفعت المؤيدين للنزول إلى الشوارع لتأكيد شرعية النظام، ثم نفذت هجومًا سيبرانيًا واسعًا داخل إسرائيل، شمل اختراق بيانات المستوطنين وإرسال رسائل تهديد مرفقة بمعلوماتهم الشخصية، ما أحدث حالة ذعر غير مسبوقة داخل المجتمع الإسرائيلي.
هذا التزامن الروسي الإيراني كان بمثابة رد استراتيجي شامل على تحركات ترامب، وهو ما دفعه لاحقًا إلى الظهور في مؤتمر صحفي لمحاولة تهدئة الأوضاع، مؤكدًا أنه لن يكون طرفًا في أي عقوبات مباشرة على بوتين. وعندما سئل عن إمكانية خطف الرئيس الروسي، نفى ذلك تمامًا، مشددًا على أن التعامل مع بوتين لا يكون إلا عبر الردع أو الصفقات السياسية، في اعتراف ضمني بأن فكرة إسقاطه بالقوة لم تعد مطروحة.
