recent
عـــــــاجــــل

حسن سليم يكتب: الفطرة والقيود

 

حسن سليم يكتب: الفطرة والقيود

حسن سليم يكتب: الفطرة والقيود



ليست قضية المرأة في أصلها ساحة صراع بين الحرية والقيود ولا مواجهة مفتوحة بين الرجل والمرأة، كما يتم تصويرها في كثير من الخطابات المعاصرة، بل هي قضية ميزان قبل أن تكون قضية حقوق، وقضية فهم لطبيعة الإنسان قبل أن تكون نقاشا حول الأدوار. فالمرأة في التصور الشرعي العميق، لا يتم تصنيفها منذ الميلاد إلى صالحة بطبيعتها أو فاسدة بذاتها، ولا تحمل قيمة أخلاقية مستقلة عن محيطها، وإنما هي إنسان واحد بطبيعة واحدة، قابل للاستقامة كما هو قابل للانحراف، ويتحدد مساره بقدر ما يعيش داخل إطار منضبط أو يتحرك خارجه بلا ضوابط.


هذا الفهم ليس اجتهادا نظريا ولا قراءة انتقائية للنصوص، بل هو جوهر الرؤية الشرعية التي خاطبت المرأة باعتبارها إنسانا كامل الأهلية، له تكليف ومسؤولية ويتأثر بالبيئة كما يتأثر الرجل تمامًا.. ولهذا جاءت الأحكام في الشريعة عامة، شاملة، غير قائمة على تصنيف النساء وفق مستوى الصلاح أو التقوى، لأن هذا التصنيف في ذاته غير موجود في البناء التشريعي.


فلو كانت هناك امرأة صالحة بذاتها وأخرى غير صالحة بذاتها، لما استقام تعميم الأحكام، ولما كان لهذا التعميم أي معنى.. لكن الشريعة حين فرضت وجود المحرم في السفر، لم تفرق بين امرأة وأخرى، ولم تسأل عن علمها أو صلاحها أو مكانتها الاجتماعية، بل خاطبت جميع النساء دون استثناء.. وهذا التعميم ليس اتهامًا ولا تقليلا من شأن المرأة، بل اعتراف صريح بوحدة الطبيعة الإنسانية وبأن الاستقامة لا تفهم بمعزل عن الظروف المحيطة.


والأمر ذاته يتكرر بوضوح في اشتراط الولي في عقد الزواج.. فالشريعة لم تجعل الولاية مرتبطة بضعف المرأة أو قصور عقلها، ولم تحصرها في حالات بعينها، بل قررتها أصلا عاما لأنها تتعامل مع الزواج باعتباره عقدا اجتماعيا معقدا، تتشابك فيه المصالح والمسؤوليات والآثار، وليس مجرد علاقة عاطفية أو قرار فردي منعزل عن محيطه.. ولو كان الصلاح صفة ذاتية مستقلة عن الإطار، لما كان لوجود الولي أي ضرورة.


من هنا يتضح أن التشريع الإسلامي لا ينطلق من الشك، بل من المعرفة، لا من الاتهام، بل من الوقاية.. فالذي خلق المرأة هو الأعلم بطبيعتها، وبنقاط قوتها، وبمواطن ضعفها، وبما يحفظها ويصون كرامتها داخل مجتمع مليء بالتقلبات والضغوط والتحديات.. ومن الخطأ الفادح قراءة هذه الأحكام بمنطق الصراع، أو إسقاط تصورات حديثة عليها دون فهم فلسفتها الكلية.


المرأة لا تستقيم في فراغ، كما لا يزدهر الإنسان خارج أي منظومة ضابطة.. فالحرية المطلقة ليست ضمانة للأخلاق، وغياب المرجعية لا يصنع إنسانا أكثر وعيا، بل يتركه عرضة للتأثيرات المتناقضة.. ولهذا فإن وجود إطار منضبط ليس قيدا، بل شرطا للاستقرار النفسي والاجتماعي، وحماية من الفوضى التي تستهلك الإنسان باسم الاختيار.


هذا الإطار يتجسد في الشريعة من خلال مفاهيم أساسية، في مقدمتها القوامة، والولاية، والغيرة، وهي مفاهيم تعرضت عبر السنوات لهجوم شديد، إما بدافع سوء الفهم، أو نتيجة إسقاط تجارب سلبية عليها، أو بسبب توظيفها الخاطئ في الواقع.. غير أن الخطأ في التطبيق لا يلغي صحة الأصل، ولا يحول المفهوم السليم إلى عبء ينبغي التخلص منه.


القوامة، في معناها الحقيقي، ليست تسلطا ولا قهرا، وليست امتيازا ذكوريا يمنح الرجل سلطة بلا حساب، بل هي تكليف ثقيل، يقوم على الرعاية والإنفاق وتحمل المسؤولية والقدرة على القيادة الرشيدة.. هي وظيفة قبل أن تكون صفة، ومسؤولية يسأل عنها الرجل قبل أن ينتفع بها.. وإذا تحولت القوامة إلى أداة قهر فإنها تخرج عن معناها الشرعي وتتحول إلى ظلم مرفوض.


والمرأة في المقابل، لا تختزل شخصيتها في الطاعة العمياء، بل يتم حمايتها من أن تترك وحدها في مواجهة ضغوط الحياة دون سند أو قيادة، فالقوامة ليست إلغاء للشراكة، بل تنظيم لها، وليست إقصاء، بل توزيع أدوار يراعي الفروق الطبيعية والنفسية بين الرجل والمرأة.


وحين تغيب هذه السلطة الرشيدة، لا تنهار الأخلاق فجأة، ولا تفقد المرأة قيمها دفعة واحدة، لكن الميزان يختل، والحدود تتراخى، وتصبح المرأة أكثر عرضة للضغط الاجتماعي، والاستغلال العاطفي، والتشتت بين أدوار متناقضة تفرضها الثقافة السائدة.. فالفوضى لا تفسد الإنسان بسرعة، لكنها تستهلكه ببطء، حتى يفقد القدرة على التمييز بين ما يريده حقا وما يتم دفعه إليه دفعا.


أما الولاية فهي ليست سلبا للإرادة ولا حجرا على العقل، بل ضمانة اجتماعية في قرارات مصيرية لا تحتمل الاندفاع أو العزلة.. فالإنسان- رجلًا كان أو امرأة- قد يخطئ التقدير حين يتخذ قراراته الكبرى منفردًا تحت ضغط العاطفة أو اللحظة، ومن هنا جاء دور الولاية كعنصر توازن لا كأداة سيطرة.


والغيرة، التي يتم تصويرها أحيانا بوصفها سلوكا مرضيا، هي في حقيقتها إحساس فطري مرتبط بالحماية والرعاية، إذا انضبط بالعقل والشرع كان صمام أمان للأسرة، وإذا انفلت بلا ضابط تحول إلى شك وعدوان، وإذا غاب تماما فقد المجتمع إحدى آليات الحماية الطبيعية للعلاقات.


إن محاربة هذه المفاهيم مجتمعة لا تعني الدفاع عن حقوق المرأة، بل تعني في كثير من الأحيان هدم الإطار الذي تستقيم داخله.. فالمجتمع لا يُبنى بإلغاء الفروق، ولا باستنساخ الأدوار، بل بتحقيق التكامل.. والرجل والمرأة ليسا خصمين في معركة واحدة، بل شريكين في مشروع إنساني لا ينجح إلا إذا قام على التوازن لا على الصدام.


المفارقة أن كثيرا من المجتمعات التي رفعت شعارات التحرر الكامل لم تنجح في حماية المرأة من الاستغلال، بل أعادت إنتاج أشكال جديدة من الضغط، أكثر قسوة وأقل وضوحًا، حيث تقاس قيمة المرأة بقدرتها على المنافسة والاستهلاك والامتثال لصورة نمطية تفرضها السوق لا الفطرة.


وفي المقابل، فإن المجتمعات التي أساءت فهم القوامة والولاية، وحولتها إلى أدوات قمع، لم تكن تطبق الشريعة، بل تناقضها، لأن الشريعة لا تقيم نظاما يقوم على الظلم، ولا تبرر التسلط باسم الدين.


وما أردت إيصاله بوضوح هو أن المرأة واحدة في طبيعتها، واحدة في قابليتها للصلاح، وأن هذا الصلاح ليس صفة ذاتية مستقلة عن الواقع، بل ثمرة إطار منضبط، وميزان دقيق، وقيادة رشيدة، وحدود واضحة.. وحين يستقيم هذا الميزان، تزدهر المرأة، ويستقيم الرجل، وتتماسك الأسرة، ويستقر المجتمع.


والله سبحانه، وهو الأعلم بمن خلق، لم يشرع الأحكام عبثا، ولم يضع الحدود ظلما، بل أقام هذا البناء على علم بطبيعة الإنسان، وعلى حكمة ترى المآلات قبل وقوعها. ومن هنا فإن أزمة عصرنا ليست في النصوص، بل في غياب الميزان، وفي الخلط بين التحرر والفوضى، وبين القيادة والتسلط.. وعندما يعود الميزان إلى مكانه، لا تظلم المرأة، ولا يقصى الرجل، بل يستقيم المجتمع كله على فطرته الأولى.


google-playkhamsatmostaqltradent