ثروات فنزويلا الهائلة بين كنوز الأرض وأزمة الحكم
بقلم: حاتم السعداوي
تُعد فنزويلا واحدة من أكثر دول العالم إثارة للجدل حين يُطرح سؤال الثروة والفقر في آن واحد. فهي دولة تقع في شمال قارة أمريكا الجنوبية، وتحمل اسم جمهورية فنزويلا البوليفارية، وتملك من الموارد الطبيعية ما يجعلها في مصاف أغنى بلدان العالم نظريًا، بينما تعيش فعليًا واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في العصر الحديث.
منذ اللحظة الأولى، تفرض الطبيعة نفسها على المشهد الفنزويلي. شلالات أنغيل، الأعلى في العالم، وغابات مترامية، وأنهار عملاقة، وسهول خصبة، كلها ملامح لبلد حبته الجغرافيا بسخاء نادر. غير أن ما تحت الأرض لا يقل أهمية عما فوقها، إذ تختزن فنزويلا كنوزًا جعلتها محل أطماع ومركز صراع دائم في السياسة الدولية.
النفط يظل العنوان الأبرز لهذه الثروة. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدّر بنحو 303 مليارات برميل، متقدمة على دول نفطية كبرى. ويتركز الجزء الأعظم من هذا الاحتياطي في حزام أورينوكو، حيث النفط الثقيل الذي يحتاج إلى تقنيات متقدمة لاستخراجه وتكريره. وعلى مدار عقود، شكّل النفط العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي، ومصدرًا لأكثر من 90 في المئة من صادرات البلاد، ما جعل الدولة شديدة الارتباط بتقلبات أسعاره وأسواقه.
إلى جانب النفط، تحتل فنزويلا موقعًا متقدمًا في خريطة الغاز الطبيعي، إذ تمتلك احتياطيات ضخمة تُقدّر بنحو 5.6 تريليونات متر مكعب، لتأتي في المرتبة الثامنة عالميًا، والأولى على مستوى أمريكا اللاتينية. هذه الثروة تمنح البلاد إمكانات هائلة لتكون لاعبًا محوريًا في سوق الطاقة، لو أُحسن استغلالها.
ولا تقل الثروات المعدنية شأنًا عن الطاقة، فداخل قوس التعدين في أورينوكو تختبئ كميات هائلة من الذهب، جعلت فنزويلا ضمن الدول الأكثر امتلاكًا لاحتياطياته عالميًا. وتشير تقديرات غير رسمية إلى وجود آلاف الأطنان من الذهب لم تُستخرج بعد. كما تزخر الأراضي الفنزويلية بالألماس والزمرد، إلى جانب معدن الكولتان الاستراتيجي المعروف بالذهب الأزرق، والذي يُعد عنصرًا أساسيًا في صناعة الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية المتقدمة، ما يضاعف من الأهمية الجيوسياسية للبلاد.
وتضم فنزويلا أيضًا احتياطيات معتبرة من الحديد، الذي تحتل به مرتبة متقدمة عالميًا، فضلًا عن البوكسيت المستخدم في صناعة الألمنيوم، ومؤشرات على وجود اليورانيوم والنيكل والنحاس، وهي معادن تعزز من القيمة الاقتصادية طويلة الأمد للدولة.
أما على صعيد الموارد المتجددة، فتملك فنزويلا ثروة مائية هائلة بفضل أنهارها الكبرى، وفي مقدمتها نهر أورينوكو، وتعتمد على السدود العملاقة، مثل سد غوري، لتوليد جزء كبير من احتياجاتها من الكهرباء. كما تمتد الأراضي الزراعية الخصبة على مساحات واسعة، وتسمح بإنتاج محاصيل ذات جودة عالية، أبرزها القهوة والكاكاو الذي يُعد من الأفضل عالميًا، إضافة إلى الفواكه الاستوائية.
ورغم أن القيمة الإجمالية لهذه الثروات تُقدّر بأكثر من 14 تريليون دولار، تعيش فنزويلا مفارقة صادمة. فالأزمة الاقتصادية الخانقة، والتضخم المفرط، وتراجع الخدمات، باتت سمات يومية لحياة المواطنين. ويرى محللون أن هذه الأزمة نتاج تداخل معقد لعوامل عدة، أبرزها سوء الإدارة، والفساد، والاعتماد شبه الكامل على النفط، إلى جانب العقوبات الدولية التي عمّقت الاختناق الاقتصادي.
وهكذا تقف فنزويلا نموذجًا صارخًا لدولة غنية بالموارد، فقيرة بالإدارة، تجمع بين ثروة استثنائية وإشكالية مزمنة، لتبقى قصتها درسًا مفتوحًا في أن امتلاك الموارد وحده لا يصنع الازدهار، ما لم يُصاحبه حكم رشيد ورؤية اقتصادية مستدامة.
