أسماء الأباصيري تكتب: المسامحة.. الرحلة التي لا تُختزل في كلمة
لطالما نظرت إليها باستعلاء، تلك الكلمة التي يتداولها الناس بسهولة وكأنها تعويذة سحرية. "سامح" كانت تبدو لي دوماً كأنها استسلام، ضعف، تنازل عن الكرامة. في عيني، كانت مجرد كلمة يلقيها من لم يعرفوا مرارة الظلم حق المعرفة، أو من وجدوا في التسامح وسيلة للهروب من مواجهة جراحهم.
كنت أقول لنفسي: "اللّه غفور رحيم، أما أنا فليس في قلبي متسع لهذا العفو". كيف أسامح من طعنني في الظهر؟ كيف أغفر لمن حول قلبي إلى أنقاض وهو يعلم كم كان عامراً بالحب والإخلاص؟
لكن الحياة، في صرامتها التي تختزن حكمة عميقة، كانت تنتظرني عند المنعطف. جاءت الضربات من حيث لم أحتسب، من الدائرة التي ظننتها حصناً، ممن أفضيت لهم بأسرار نفسي قبل أن يبادروا هم بالكلام. تعرضت للظلم مرة، فنهضت، ثم مرة، فما زلت أحاول، حتى تكررت الضربة فسقطت. في ذلك الحين، تحت وطأة الألم الذي لا يُحتمل، في القاع المظلم حيث لا يسمع المرء إلا صدى صدمته، بدأت الرحلة الحقيقية لفهم المعنى الذي كنت أرفضه.
اكتشفت، بمرارة في البداية ثم بسلام لاحقاً، أن المسامحة لم تكن أبداً عنهم. لم تكن هدية أقدمها لمن أهانوني أو تنازلاً عن حقي في الغضب. كانت، في جوهرها، عملية إنقاذ ذاتي. عملية جراحية روحية أقوم بها لنفسي، لا لهم. كانت تعني أن أخرج السكين من ظهري بيدي لأتمكن من السير مرة أخرى. أن أرفع الحجر الثقيل عن صدري لأستطيع التنفس. أن أطلق سراح روحي من زنزانة الغضب والمرارة التي كنت أنا حارسها والسجين فيها في آن معاً.
المسامحة الحقيقية، كما فهمتها أخيراً، هي قرار بالرحمة بالنفس أولاً وأخيراً. هي أن أقول لقلبي: "كفى، لقد عاقبت نفسك بما يكفي". هي الاعتراف بأن الخطأ كان في تقدير الأشخاص، لا في صدق المشاعر. هي أن أتعلم الدرس القاسي دون أن أتحول إلى سجّان لنفسي، يحكم عليها بالسجن المؤبد بسبب ثقة وضعتها في غير مكانها.
اليوم، وأنا أنظر إلى الوراء، أدرك أن رحلة المسامحة لم تكن يوماً عن النسيان، بل عن التحرر. لم تكن عن إنكار الألم، بل عن رفض السماح له بأن يصبح السيد الوحيد لروحي. ما زلت أتذكر، وما زالت بعض الذكريات تلمع كشظايا زجاج في الشمس حين تمر، لكنني تعلمت أن أحمل ماضي كحكمة، لا كحمل ثقيل. تعلمت أن أرى في كل جرح معلماً، وليس جلاداً.
لم أعد أرى في كلمة "سامح" ضعفاً، بل أرى فيها الآن شجاعة غير عادية. أرى قراراً بالحياة. أرى اختياراً واعياً بأن تستمر، بأن تنبض، بأن تثق من جديد، لا لأن الناس قد تغيروا، بل لأنك تعلمت كيف تبني جدراناً من الوعي لا من الخوف. المسامحة هي أن تدرك أن سلامك أغلى من أن يكون رهينة لظلم أحد.
في النهاية، المسامحة هي رحلة شخصية عميقة، تبدأ عندما تقرر أن الفصل الأليم الذي عشته لن يكون الكلمة الأخيرة في قصتك. هي أن تمسك بالقلم لتكتب الفصل التالي بيدك، بقلب أصبح أعرف بحقيقة البشر، وأقدر على تمييز الجواهر من الأحجار، وأكثر قدرة على أن يحب بحكمة، لا بسذاجة. هي الرحلة التي تخلع فيها ثقل ظلم الآخرين عن كاهلك، لتمشي في دروب الحياة أخفّ، وأعمق، وأكثر حرية.
