حين يغيب الدور… تضيع الطفولة
بقلم: د. خالد البليسى
في زحام الحياة وتسارع إيقاعها، ومع الضغوط الاقتصادية المتزايدة، أصبح الغياب سمة مشتركة في كثير من البيوت؛
غياب الأب بحكم العمل أو السفر، وغياب الأم أحيانًا بحكم الظروف أو الانشغال، ويبقى السؤال المؤلم: من يتولى الدور؟
الأبوة والأمومة ليستا مجرد مسميات اجتماعية، ولا تقتصران على توفير الاحتياجات المادية.
فالأب قبل أن يكون معيلًا هو أمان، وتوجيه، ومتابعة،
والأم قبل أن تكون داعمة اقتصاديًا هي حضن، واحتواء، ورعاية نفسية وسلوكية.
الغياب المبرَّر… متى يتحول إلى خطر؟
لا يمكن إنكار أن كثيرًا من الآباء والأمهات يُجبرون على الانشغال أو السفر من أجل تأمين حياة كريمة لأبنائهم،
لكن الخطر يبدأ حين يتحول الغياب إلى نمط دائم دون تعويض حقيقي،
وحين يُترك الأبناء في سن صغيرة دون رقابة كافية أو وجود أسري واعٍ.
فالطفل لا يفهم مبررات الغياب، ولا يستوعب ضغوط الحياة،
هو فقط يشعر بالوحدة، وبفقدان الأمان، وبفراغ لا يملؤه المال.
الأمومة والأبوة… أدوار لا تُؤجَّل
التربية ليست وظيفة ثانوية يمكن تأجيلها حتى “تتحسن الظروف”.
هي مسؤولية يومية، تتطلب حضورًا حقيقيًا، ولو بالمتابعة والاهتمام والاحتواء، حتى في ظل الغياب الجسدي.
وجود الأم مع أبنائها في مراحلهم الأولى يظل حجر الأساس في تكوينهم النفسي والسلوكي،
كما أن حضور الأب، ولو معنويًا، يرسّخ الشعور بالأمان والانضباط والانتماء.
الأسرة أولًا… قبل أي مكاسب
كثير من التجارب أثبتت أن الخلل الأسري قد تكون نتائجه قاسية:
إما حوادث مؤلمة، أو انحرافات سلوكية، أو جراح نفسية تلازم الأبناء سنوات طويلة. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بما نكسبه من مال، بل بما نحافظ عليه من أسر، وبما نزرعه في نفوس أبنائنا من قيم وأمان واستقرار.
رسالة لا اتهام
هذا الحديث ليس إدانة لأحد،
ولا تشكيكًا في نوايا الآباء أو الأمهات، بل هو دعوة صادقة لإعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة أدوارنا داخل الأسرة،
والبحث دائمًا عن التوازن بين متطلبات الحياة وحق الأبناء في الرعاية والحضور.
و أخيراً
الأبناء لا يحتاجون بيتًا مفتوحًا فقط، بل يحتاجون قلوبًا حاضرة، وأعينًا تتابع، وأيدٍ تمسك بهم قبل أن يتوهوا.
فحين يغيب الدور… تضيع الطفولة.
