recent
عـــــــاجــــل

د. هاني الزنط يكتب: المستقبل يبدأ من فكرة صغيرة

د. هاني الزنط يكتب: المستقبل يبدأ من فكرة صغيرة

 

د. هاني الزنط يكتب: المستقبل يبدأ من فكرة صغيرة


في عالم تتحرك عقاربها أسرع من أن نلتقط أنفاسنا، تختنق الأفكار في لحظة ميلادها الأولى. ليس لأنها ضعيفة أو غير مكتملة، بل لأن أصحابها يظنون أن العظمة تبدأ من ضجيج كبير، أو دعم واضح، أو تصفيق مبكر. الحقيقة أن كل تحول جذري عرفه التاريخ، بدأ بفكرة صغيرة، هادئة، لا يسمعها إلا صاحبها، ولا يصدقها في الغالب سوى قلب واحد.


حين نتأمل المشروعات العملاقة، من أول آلة بخارية إلى أقمار الاتصالات الصناعية، ومن أول جهاز حاسوب بحجم غرفة كاملة إلى هاتف ينزلق داخل راحة اليد، سنجد أنها لم تولد كاملة. كانت همساً على دفاتر باهتة، أو رسماً على هامش كتاب، أو شرارة عابرة في فكر شخص رفض أن يعيش داخل حدود الممكن.


إن قيمة الفكرة لا تُقاس بوقتها ولا بملامحها الأولى، بل بقدرتها على تحريك الواقع شيئاً فشيئاً، حتى لو قاومها، وحتى لو وصفها المجتمع بأنها خيال أو تهوّر. ما يسميه البعض مغامرة غير محسوبة، يسميه أصحاب الرؤية بذرة مستقبل لم يكتمل بعد. وما يعدّه الناس حلماً طائشاً، قد يكون نقطة التحول التي يعيد من خلالها العالم ترتيب أولوياته.


الفكرة الصغيرة لا تكبر وحدها. تحتاج إلى عقل يؤمن بها، يهيئ لها البيئة المناسبة، ويمنحها الوقت حتى تتنفس. تحتاج إلى روح لا تنكسر بعد أول سقوط، وإلى إرادة تصمد في مواجهة الروتين والتشكيك والخوف من المجهول. فمسؤولية الإنسان لا تنحصر في السعي والعمل، بل في التفكير، والجرأة على كسر النمط السائد، وصياغة أسئلة جديدة حين تبدو كل الإجابات القديمة غير مقنعة.


والتاريخ لا يتذكر أولئك الذين ساروا في الصف، بل الذين تركوا الصف وصنعوا طريقاً جديداً. يؤمنون بأن التغيير يبدأ في الداخل، من عقل واحد يعيد صياغة الاحتمالات، ومن قرار يبدو بسيطاً لكنه يفتح ممرات واسعة نحو الغد.


وإذا آمنا بأن المستقبل ليس قدراً جاهزاً ينتظرنا، بل نتيجة متراكمة لأفكار صغيرة تتجمع وتتصادم وتتكامل، فسندرك أن كل يوم يحمل فرصة لكتابة صفحة مختلفة من قصة الإنسان. لا أحد يملك المستقبل كاملاً، لكن كل فرد يمتلك جزءاً منه: فكرة، إصرار، رؤية واضحة، أو حتى خطوة يتيمة في مسار مجهول.


ولذلك فإن أولئك الذين يسيرون وحدهم اليوم، وقد تبدو خطواتهم بطيئة أو غير مفهومة، سيجدون العالم كله يلحق بهم غداً، إذا امتلكوا شجاعة البداية، وصبر الرحلة، ووعي أن أصغر فكرة تحمل بداخلها بذرة أكبر واقع قادم.


المستقبل إذن ليس بعيداً. إنه يبدأ هنا، في ذهن شخص واحد، لا يخشى أن يرى ما لا يراه غيره، ولا يتردد في تحويل الفكرة الصغيرة إلى حدث كبير يغير شكل الحياة.


google-playkhamsatmostaqltradent