recent
عـــــــاجــــل

د. خالد البليسي يكتب: حين تقتل التفاهة وعى الأمة

 

د. خالد البليسي يكتب: حين تقتل التفاهة وعى الأمة

د. خالد البليسي يكتب: حين تقتل التفاهة وعى الأمة



بين إسفاف التيك توك ونماذج القدوة الزائفة وصرخة وعي اسمها دولة التلاوة لم يعد الترند مجرد موجة ترفيه عابرة، بل تحول إلى أداة خطيرة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وتهديد مباشر لهوية المجتمع وقيمه.

فما نشهده اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي وبخاصة منصة تيك توك لم يعد اختلاف أذواق أو حرية محتوى، بل انحدارًا متسارعًا نحو تفاهة منظمة تُقدَّم تحت مسمى الانتشار والنجومية.


ما يُعرض اليوم على بعض المنصات لا يمت للإبداع أو الفكر أو حتى الترفيه الراقي بصلة. محتوى قائم على إسفاف لفظي، إيحاءات مبتذلة، استعراض فج، وتشويه للذوق العام وسخرية من القيم والأخلاق. الأخطر أن هذا المحتوى لا يُحاصر، بل يُكافأ بالملايين من المشاهدات، فيتحول إلى ترند ثم إلى مصدر دخل ثم إلى نموذج يُحتذى.

والصدمة الحقيقية ليست في وجود محتوى هابط، بل في تقديم صانعيه كقدوة للأجيال الجديدة. أشخاص لا يحملون علمًا ولا ثقافة ولا أخلاقًا ولا موهبة حقيقية، لكنهم يتصدرون المشهد فقط لأنهم أكثر جرأة على القيم وأكثر استفزازًا وأكثر قدرة على إثارة الجدل. هنا تكمن الكارثة، حين يرى الطفل والمراهق أن الطريق الأسرع للشهرة والمال هو الرقص والابتذال والسخرية من كل ما هو جاد ومحترم.

فهل ما يحدث عبث أم مخطط؟ من يظن أن ما يحدث عشوائي فهو واهم. نحن أمام تدمير ناعم للوعي، تسطيح للعقل، تغييب للتفكير، كسر لمنظومة القيم، وإحلال للفراغ مكان المعنى. مجتمع غارق في الضحك، عاجز عن السؤال، منشغل بالترند، بعيد عن قضاياه الحقيقية.

فالأسرة تُحارب وحدها شاشة مفتوحة بلا رقابة، والمدرسة غيّب دورها التربوي، والرقابة متأخرة دائمًا خطوة عن الواقع الرقمي المتسارع، لكن الأخطر من الغياب هو التطبيع مع الرداءة وكأن ما يحدث أمر طبيعي لا يستحق المواجهة.

في وسط هذا الضجيج يخرج نموذج مختلف يفضح زيف المشهد بالكامل برنامج دولة التلاوة. برنامج أعاد الاعتبار للقيمة والموهبة الحقيقية والأخلاق والتنافس الشريف والقدوة الصالحة. نماذج مشرفة من شباب صغار في العمر كبار في الرسالة يحملون القرآن علمًا وأداءً وسلوكًا ليؤكدوا أن الجمال الحقيقي ما زال قادرًا على جذب الناس دون إسفاف أو ابتذال.

مقارنة تكشف المستور بين من يهدم الذوق العام ليصنع ترندًا ومن يبني الإنسان ليصنع قيمة، لتتضح الحقيقة كاملة بأن المشكلة ليست في الجمهور، بل فيما يُقدَّم له ومن يتم الترويج له. كل مشاهدة موقف وكل مشاركة مشاركة في صناعة المستقبل وكل صمت أمام الرداءة دعم غير مباشر لها.

الخلاصة الترند قد يكون قاتلًا، التفاهة ليست حرية، والقدوة لا تُصنع بالخوارزميات. إما أن نستعيد وعينا ونحمِ أبناءنا، أو نتركهم فريسة لمحتوى يهدم أكثر مما يبني.

والسؤال الذي نضعه أمام المجتمع: هل نريد أمة تتباهى بالترند أم أمة تصنع من القيم عنوانًا لمستقبلها؟


google-playkhamsatmostaqltradent