د. طارق أبو حطب يكتب: حين تغدو الجسور أشواكًا
في معترك الحياة كم نمد جسور العلاقات الإنسانية وهي ليست مجرّد أواصر عابرة جمعت مصادفة بين أفرادٍ في بؤرة المصلحة بل هي جسور ممتدة للتآلف تقوم على التفاهم وتتكئ على الثقة وتُزهر بالمودة بيد أنّ هذه الجسور لم تعد آمنة كما ينبغي في وقتنا الحالي فقد استحال معظمها أشواكا قاتلة لجوهر الألفة والوصال حتى غدت العلاقات الإنسانية السامية مهددة بالتآكل والانهيار خاصة عند احتدام أزمة التفاهم الناتجة عن سوء الفهم الذي يطفو على عجل على أعتاب أي موقف يُفسَّر خارج سياقه أو نية تُساء قراءتها فينحرف التأويل والتبرير مما يذكي جذوة الخلاف لتصل حد الاشتعال ومع انبعاث كل شرارة يتراكم الرماد ليغطي القلوب ويزكم الأنوف ويسد فوهة الحوار ويتبدل الكلام الصريح بالصمت المشوب بالمشاحنة ويضحي التفاهم قيمة نادرة لا لغياب القدرة على التعبير إنما لغياب الرغبة في الإصغاء فالجميع يتكلم وقليلون من ينصتون والجميع يدافع عن رأيه ونادرون من يحاولون فهم رأي الآخر وحينئذ تتصدع أولى دعائم العلاقات لأن التفاهم لا يولد من رحم الكلام وحده بل من الإصغاء الواعي والاستعداد الصادق لتقبّل الاختلاف فإذا كان التفاهم هو الجسر، فإن الثقة هي أساسه الرصين وحين تهتز الثقة يصبح الجسر هشًّا، لا يقوى على تحمل أوهى عبور ولعلنا نلحظ في مجتمعات اليوم تآكل الثقة بين الأفراد بفعل تجارب متكررة من الخذلان أو النفاق، أو المصالح المتقلبة فصديق يشكّ في صديقه وشريك يتربّص بشريكه وقريب يتحسّب من قريبه وكأن الأصل في العلاقة صار الشك لا الاطمئنان وهنا يكمن دور وسائل التواصل الحديثةparadoxically التي يُفترض أن تقرّب المسافات فإذا بها تسهم في تعميق الهوة فالكلمات تُكتب بلا نبرة والمواقف تُنقل بلا روح والوجوه تُستبدل بشاشات باردة تفتح الباب واسعًا للتأويل الخاطئ، ويغذّي الشكوك وتقوض جسور الثقة وحين يتحوّل الحوار إلى صراع.
في مناخ يغيب فيه التفاهم وتفتقد الثقة لا يكون الحوار هو الوسيلة المثلى للتقارب بل يتحوّل إلى ساحة صراع يدخلها كل طرف مسلّحًا بالاتهامات متأهبا للدفاع متحفزا للهجوم لا يشغله إلا كيف أنتصر وحينها تتشوّه فكرة الحوار ذاتها بعيدا عن ميادين التلاقي فتُضاف مع كل تحاور ندبة جديدة في جسد العلاقات الإنسانية حتى يغدو ترميمها مستحيلا فتتآكل المودة في صمت تذبل تذبل في بطء ثم تبدأ في الفتور فاللامبالاة وصولا للانسحاب الصامت قتفقد العلاقة روحها حتى وإن ظلّ شكلها قائمًا لكنها في الحقيقة خاوية، لا دفء فيها ولا حياة لان غياب المودة لا يقتصر على العلاقات العاطفية بل يمتد إلى الصداقة والعمل بل ويشمل الروابط الأسرية فمؤكد أن الأسرة التي يغيب عنها الحوار الصادق وتتآكل فيها الثقة تنتهي إلى أفراد يجمعهم سقف واحد لكنهم تنافرت أرواحهم وتباعدت قلوبهم وعنا تكمن الأزمة التي لا يمكن اختزالها في سلوكيات فردية فقط فهي تعبير عن تحولات أعمق في بنية المجتمع تسارع فيها إيقاعات الحياة وضغوط المعيشة وهيمنة المصلحة وثقافة الاستهلاك وكلها عوامل أسهمت في إضعاف القيم الإنسانية فيصبح التسامح عبئا والصبر ترفا لا يملكه الجميع وتتصاعد النزعة الفردية التي تجعل الكثيرين ينظرون إلى العلاقات من زاوية الربح والخسارة لا من زاوية المشاركة والاحتواء قختلّ الميزان ليكون الانسحاب أسهل من المحاولة والقطيعة أيسر من الإصلاح ورغم بشاعة الحال وقتامة المشهد فلا يزال الأمل قائمًا إذ يمكن ترميم الجسور التي تحولت أشواكا إذا توفرت الإرادة مانحة شجاعة الاعتراف بالمشكلة والعودة إلى أبجديات العلاقة الإنسانية من الإصغاء والصدق واحترام الاختلاف لأن إعادة بناء الثقة يحتاج إلى وقت وإلى مواقف متراكمة تثبت أن الكلمة ليست قناعًا وأن النية صادقة أما التفاهم فلا يتحقق إلا حينما ندرك أن الاختلاف لا يعني العداء وأن تعدد وجهات النظر ثراء لا بغضاء ويتحتم على كل طرف تحمل المسئولية المزدوجة الفردية والجماعية فالفرد عليه أن يراجع أسلوبه في التواصل وأن يتخلى عن الأحكام المسبقة وأن يمنح الآخر فرصة للتفسير والتبرير. وعلى المجتمع بمؤسساته التعليمية والإعلامية والثقافية إعادة الاعتبار لقيم الحوار وترسيخ ثقافة الاختلاف البنّاء بدلا من تغذية الاستقطاب والصدام.
ويتحمل الإعلام مسؤولية كبرى فإما أن يكون جسرًا يعزز الفهم المشترك أو شوكًا يكرّس الانقسام وختاما نقول حين تغدو الجسور أشواكًا لا يكون الخطر في الألم وحده بل في العزلة التي تليه فمهما بلغ الإنسان من قوة لا يستطيع العيش بلا علاقات دافئة صادقة وبلا تواصل إنساني حقيقي إن إنقاذ ما تبقى من هذه الجسور ليس مجرد ترف فكري بل ضرورة إنسانية فنحن قد لا يكون بوسعنا تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نستطيع أن نبدأ من دوائرنا الصغيرة بكلمة صادقة وإصغاء حقيقي وتنازل بسيط ومحاولة جادة للفهم والتحليل عندها فقط، قد تفنى الأشواك وتتمدد للجسور مستعيدة هدفها الأقدس قنطرة الوصل الآمن الدائم بين القلوب.
