ليلة القدر بين قدسية الحدث واستمرارية الرسالة القرآنية
كتبت - آية معتز صلاح الدين
توقف المفكر الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي عند دلالة عميقة في مقاله الذي تناول فيه مفهوم ليلة القدر، مشيراً إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات في وعي المسلمين بين تعظيم المناسبة وتعظيم الرسالة التي ارتبطت بها.
يرى الشرفاء أن ليلة القدر لم تكتسب مكانتها من كونها زمناً مجرداً، بل من الحدث المفصلي الذي شهدته، وهو نزول القرآن الكريم، كتاب الهداية الذي أعاد صياغة مسار الإنسان، وأقام ميزان الحق، وأرسى قواعد العدل والرحمة في الأرض. فالقداسة، وفق هذا الطرح، متولدة من الرسالة لا من الظرف الزمني ذاته.
ويشير المقال إلى أن التحول الذي أصاب الوعي الجمعي عبر القرون نقل مركز الاهتمام من جوهر الحدث إلى إطار المناسبة، فأصبح التركيز منصباً على تحري ليلة بعينها كل عام، بينما يتراجع الحضور العملي للقرآن في حياة الأفراد والمجتمعات. وبدلاً من أن يكون الانشغال منصباً على فهم المنهج الإلهي وتطبيقه، انصرف الاهتمام إلى مظاهر الاحتفاء الموسمية.
ويستند الطرح إلى الدلالة القرآنية الواضحة في قوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر، حيث يرتبط شرف الليلة بعملية الإنزال نفسها، أي بنزول المنهج الرباني الذي يحمل الهداية المستمرة. فالليلة كانت محطة تاريخية، أما القرآن فحدث متجدد في كل زمن، يخاطب العقول والقلوب، ويدعو إلى الإصلاح والعمل الدؤوب.
من هذا المنطلق، يدعو الكاتب إلى إعادة الاعتبار للقرآن بوصفه الرسالة الدائمة، لا الحدث المنقضي. فليلة القدر وقعت في سياقها التاريخي، لكن أثرها الحقيقي يتمثل في استمرار التفاعل مع الكتاب الذي نزل فيها. ومن دون هذا التفاعل تتحول المناسبة إلى طقس منفصل عن مقاصده الكبرى.
ويؤكد أن الأمة اليوم بحاجة إلى الانتقال من الاحتفاء بالمواسم إلى استحضار المنهج، ومن انتظار ليلة مضاعفة الأجر إلى التزام يومي بقيم العدل والانضباط والإصلاح التي جاء بها القرآن، استناداً إلى التوجيه الإلهي باتباع ما أُنزل وعدم الانصراف إلى ما سواه.
ولا يدعو الطرح إلى إلغاء تعظيم ليلة مباركة، بل إلى تصويب زاوية النظر، بحيث يبقى القرآن في مركز الاهتمام باعتباره النور الذي منح الليلة عظمتها، وهو ذاته النور القادر على إنارة واقع الأمة إذا أُحسن فهمه والعمل به.
ويخلص المقال إلى أن أي دعوة تعيد ربط الأمة بكتاب ربها، وتحررها من أسر التقليد والغفلة، تمثل خطوة جوهرية في مسار الإصلاح الحقيقي. فالقرآن، بما يحمله من مبادئ جامعة، قادر على توحيد القلوب، وتقليص فجوات الخلاف، وبناء وعي قائم على العلم والهداية.
وهكذا تبقى ليلة القدر تذكرة سنوية بحدث عظيم، لكن القيمة الأسمى تظل في استدامة الرسالة، وجعل القرآن منهج حياة يومي، حتى يظل النور الذي أشرق في تلك الليلة حياً ومتجدداً في واقع الناس.
