recent
عـــــــاجــــل

وداع في الخريف.. قصة قصيرة

 

وداع في الخريف.. قصة قصيرة

وداع في الخريف.. قصة قصيرة


بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي

"لم يبق لديَّ ما أضحي به".

 قالتها، ثم استدارت، ومضت لا تلوي على شيء، وتركته فاغرًا فاه. وطال هذا الوضع؛ حتى ابتلعها الطريق.

 أفاق من هول المفاجأة، ووجد نفسه وحيدًا. شعر بظمأ شديد، أفرغ كأس الماء دفعة واحدة؛ ليطفئ اللهيب المتقد في حلقه، ثم أتبعه بكأس ثان.

نادى على النادل، دفع الحساب، ثم غادر.

 كانت المسافة بين الكافتيريا ومنزله ثلاث محطات بالحافلة، قطعها جميعًا سيرًا على قدميه.

 كان في حاجة إلى أن يكون وحيدًا، وهو يسترجع شريط الأحداث الأخيرة، والتي نزلت عليه نزول الصاعقة. 

 كان القمر في السماء يظهر حينًا، ويختبئ وراء سحب الخريف القاتمة أحيانًا، ما منحه حالة من الهدوء المقدس، وهو يعبر بقدميه هذا الطريق الخالي – تقريبًا – من المارة.

 راح يسترجع آخر جملة ألقتها بين يديه قبل أن تغادر المكان: "لم يبق لديَّ ما أضحي به"، جعل يرددها كما سمعها منها، ثم قام بتغيير الضمائر، "لم يبق لديها ما تضحي به".

اصطدم بشجرة صفصاف جرداء، كانت تتوسط الطريق على حافة إحدى الترع، راح يتأمل غصونها العارية، في ضوء القمر الخافت، بدت بهيئتها كإحدى الأشباح، لكنها لم تخلُ من جمال.

 تناول حصاة مدببة، وراح ينقش على جذع الشجرة قول حبيبته "لم يبق لديَّ ما أضحي به". ثم راح يتأملها برهة، كان ثمة شبه بين الشجرة الجرداء وبين حبيبته؛ كلتاهما لم يعد لديها ما تقدمه له. 

 لقد استنزف كل ما لدى حبيبته؛ عمرها، أحلامها، جَلَدها، مواقف كثيرة كانت معه، لم تضن عليه بشيء، ولكنه لم يتحرك خطوة واحدة نحوها، ولم يقدم من أجلها أي شيء؛ حتى أضاعها من يده، والآن راح يقضم أصابع الندم، حيث لا ينفع الندم.

 شعر بالإعياء، فافترش الأرض تحت شجرة الصفصاف، وجعل يلقي باللائمة على نفسه، كانت معه، والآن يوشك أن يخسرها للأبد.

 كم كان أنانيًّا حين فكر في نفسه وفقط، ناسيًا أنها ربطت مصيرها بمصيره، واستنزفت سنوات عمرها في حب عقيم، لم تجنِ هي منه شيئًا.

 شعر بالندم يعتصر جوانحه، أدماه رحيلها، وعز عليه أن تنتهي قصة حبهما بهذه النهاية القاسية؛ فعزم على استردادها مرة أخرى، مهما كلفه ذلك.

 انتصب واقفًا، وراح يخاطبها، وكأنها تقف قبالته:

 - لقد عزمت على الاقتران بك، من اليوم لن يفرقنا سوى الموت.

 كان ينظر إلى ثناياها وهي تتلألأ في ضوء القمر، ثم تغمر فاه بآلاف القبل. شعر بالانتشاء، فحث خطاه إلى بيته، وقطع المسافة المتبقية في وقت قصير.

 عندما وصل إلى منزله، حاول الاتصال بها أكثر من مرة، كان هاتفها مغلقًا. التمس لها العذر، ثم ترك لها رسائل على جميع مواقع التواصل التي يحادثها منها.

 ثم أسلم عينيه للنوم، وهو يحلم بزفافه على من ملكت قلبه وحياته. 

في مساء اليوم التالي، ارتدى أزهى ثيابه، وأحضر هدية قيمة، وذهب إلى منزل حبيبته، وعندما اقترب من منزلها، فوجئ بسيارة إسعاف أسفل المنزل، وهرج ومرج، ثم فوجئ بها يحملونها داخل سيارة الإسعاف. ألجمته الصدمة، فعقلت لسانه، وراح يعدو كالمجذوب خلف سيارة الإسعاف.

 هناك في المستشفى قاموا بالإسعافات الأولية وعمل غسيل للمعدة؛ حتى أفرغت ما في معدتها من المخدر قبل أن يسري في جسدها الناحل.

 علم من الممرضات أنها تناولت شريطًا كاملًا من إحدى الأقراص، كانت تريد الخلاص من حياتها. جثا على ركبتيه يبكي، وهو يبتهل إلى الله أن يشفيها.

 أوقف أحد الأطباء، وسأله عن حالتها، فقال:

- إنها تحت الملاحظة أربعًا وعشرين ساعة، إن مرت على خير، فستكتب لها السلامة، وإلا .... 

فأشار إليه بكفه ألا يتم كلامه، وقال:

- سوف تعيش، ستصنع كل ما في وسعك كي تعيش. أتسمع.

طأطأ الطبيب رأسه، وواصل سيره.

 بعد عدة ساعات بدأت تفيق، وتقيأت عدة مرات، كانت الممرضة تجفف عرقها، بالرغم من برودة الجو، وكانت يدها ترتعش باستمرار، وعضلات وجهها جامدة، ما جعلها تعجز عن الكلام.

 كان يراقبها من خلال النافذة الزجاجية، خارج حجرتها، فلم يكن مسموحًا له بالزيارة.

 خلال الأيام التالية لم يكن له شغل سواها، أهمل عمله، وطعامه، وشئونه كلها لأجلها.

 كانت الأيام الأولى قاسية، شديدة، وكانت تمر ببطء شديد كأنها سلحفاة مبتورة القدمين.

 كان يبتهل إلى الله ليل نهار أن يشفيها. ومن أجلها أهمل صحته، وراحته، وعمله. عشرة أيام تحول فيها إلى شاب رث الثياب، أشعث أغبر. عندما سمحوا له بالزيارة، كاد قلبه أن ينخلع من صدره، تقدم نحو سريرها الأبيض، قبل يديها وجثا أمامها على ركبتيه، وراح ينتحب بشدة.

 قالت له:

 - ما ما بك؟ كيـ كيف ترد تردت حا ل حالك؟

 كانت تعالج الكلمات بصعوبة شديدة، وكانت لا تستطيع التحكم في فكها السفل؛ فينطبق فكاها رغمًا عنها.

 قبَّل كفيها، توسدهما.. مسحت بكفيها دموعه. قالت له:

 - أ أنا بـ بخير.

 أشار إليها بباطن كفه أن تكف عن الكلام.

- لا تتحدثي، سأتحدث أنا. أعلم أنك بخير، ستقومين وتخرجين معي إلى بيتنا. لقد أعددت كل شيء من أجلك.

أرادت أن تتكلم. وضع سبابته على شفتيها المتيبستين:

- لن أتخلى عنك ما حييت.

 ارتسمت ابتسامة على شفتيها، وقبضت بكلتا يديها على يده اليمنى.

 قال لها، وهو يحملق في عينيها النجلاوين:

 - أعاهدك، لن أتخلى عنك بعد اليوم.

 طأطأت رأسها في وهن، ولمعت عينها ببريق خافت.

 حضر الطبيب للفحص، فغادر، وهو يعدها بالعودة إليها في الغد.

 خلال الأيام التالية راح ـ بكل حمية ـ يؤسس مسكن الزوجية، خطبها من أبيها، واتفقا على كل شيء.

 كان يعمل بالنهار، ويقضي شطرًا من الليل في المستشفى، يحادثها وتحادثه.

 كانت حالتها تتحسن تدريجيًّا، ولكن كلامها كان يخرج ببطء شديد.

 كان من المقرر أن تخرج بعد يومين، وتستكمل علاجها في المنزل، وحدد مع والدها الزفاف بعد ثلاثة أيام.

 ذهب إلى المستشفى؛ ليزف إليها خبر زفافهما. كان الإعياء باديًا عليها، وإن جاهدت أن تخفي ذلك عن حبيبها. قالت له:

 - لا تـ تعجلْ.

لما قرأت شغفه وشوقه الشديد، أهدته ابتسامة وقبلة، فمنحها مزيدًا من القبل.

 كانت تبدو كشمعة تذوي، خبا بريق عينيها. من نشوة الفرح، لم يشعر ـ في غمرة النشوة ـ بالتردي في حالتها. 

 انتهى الوقت المسموح له بالزيارة، ودعها، وهو يردد.

- غدًا تخرجين، وبعد غدٍ تزفين إلى بيتي.

 لوحت له بكفها، وودت لو بقي أكثر. 

ما إن غادر، حتى سمحت للألم أن يفصح عن نفسه، ندت عنها آهة قوية؛ هرع على إثرها الأطباء إليها.

 في طريقه إلى المنزل، لم يبالِ ببرودة الجو في فصل الخريف، فقد منحته الفرحة درجة من الدفء لم يشعر بها من قبل، فنام وهو يحلم بيوم يجتمعان فيه معًا.

 في صباح اليوم التالي، استيقظ على اتصال من إدارة المستشفى ينعونها إليه.

 لم يصدق ما سمعه، ظنه اتصال جاء بالخطأ، أو مزحة سخيفة من أحدهم.

 سريعًا ارتدى ملابسه، سريعًا استقل سيارة إلى المستشفى.

 كان ذووها قد سبقوه إلى هناك؛ لاستلام جثمانها.

 لم تستطع قدماه أن تحمله من هول المصيبة؛ ندت عنه صرخة مدوية، وسقط أرضًا، كبنيان تصدع من داخله.  

 بقي أيامًا في منزله، لا يغادره، ولا يستقبل أحدًا، كانت صورتها بين يديه، يناجيها ليل نهار، كاد أن يفقد لبه، وخيل إليه أنها أمامه بثوب زفافها الأبيض، وكان يناجيها، ويحادثها.

 وإذا ما أقبل الليل، جمع عليه الذكريات من كل ناحية وصوب؛ فيعتصره الندم، ويكتوي بنار البعاد.

 وكان يسمع بين الحين والآخر صوتها، وهي تقول له:

 - لم يبق لديَّ ما أضحي به.

 خاطب صورته الماثلة أمامه في المرآة:

 - لقد ضحت بكل شيء من أجلك؛ حتى إنها ضحت بنفسها، عندما أيست منك.

 ثم هوى بقبضة يده على صورته في المرآة، فهشمها، وتوالت ضرباته، كان ينتقم من نفسه. حتى ندت عنه صرخات لا إرادية. اقتحم الجيران شقته؛ واحتملوه إلى المستشفى. وخضع إلى عدة جراحات، فكانت الإصابة من الخطورة أنه كان أن تبتر أصابع يديه.

 بعد أيام، عاد إلى منزله، ولكنه لم ينس تلك المرأة التي ضحت من أجله بكل شيء، فعاش وفيًّا لذكراها، عسى أن يجتمعان في الآخرة، بعد أن عز عليهما اللقاء في الدنيا.


google-playkhamsatmostaqltradent