recent
عـــــــاجــــل

النسوية المتطرفة

النسوية المتطرفة


النسوية المتطرفة


بقلم: حسن سليم

 شهد العالم تغيرًا ملحوظًا في الأطر الفكرية والاجتماعية التي تنظم العلاقات بين الجنسين، وبرزت حركة النسوية كإحدى القوى الفاعلة في إعادة صياغة الأدوار التقليدية للمرأة في المجتمع. وقد حققت النسوية المعتدلة إنجازات مهمة في مجالات التعليم والعمل والمشاركة السياسية وحقوق المرأة القانونية والاجتماعية.. لكن الحديث عن النسوية المتطرفة أو النسوية الراديكالية يفتح بابًا مختلفًا، مليئًا بالتحديات، حيث تتحول الدعوات إلى المساواة والتوازن إلى مطالب قد تتجاوز الحد المعقول، مهددة أحيانًا العلاقات الاجتماعية التقليدية، ومثيرة للجدل حول الحرية الشخصية، والهوية الثقافية، والنسيج الاجتماعي.


وتستند النسوية المتطرفة إلى أساس فكري يعتبر أن المجتمع الذكوري يمثل نظامًا مستبدًا يستفيد من هيمنة الرجل على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. هذه المدرسة الفكرية ترى أن الحل لا يقتصر على المطالبة بالحقوق المتساوية، بل على إعادة هيكلة المجتمع بالكامل لضمان تفوق المرأة في جميع المجالات، في بعض الأحيان على حساب الرجل نفسه.. ويمكن إرجاع جذور النسوية المتطرفة إلى موجات عدة، بداية بالموجة الثانية للنسوية خلال الستينيات حتى الثمانينيات حيث تم التركيز على الحقوق القانونية والمساواة في مكان العمل والتعليم، لكنه مع مرور الوقت خرجت بعض التيارات النسوية التي رأت أن مجرد المساواة لا يكفي، وأن النظام الأبوي بحاجة إلى مقاومة جذرية.. ثم جاءت الموجة الثالثة التي ركزت على الحرية الشخصية والهوية، لكنها أيضًا شهدت ظهور تيارات أكثر تطرفًا تنادي بتغيير المفاهيم التقليدية للعائلة والزواج والأدوار الاجتماعية، والتشكيك في المعايير الثقافية والدينية التي تربط المرأة بالرجل في العلاقات الاجتماعية. ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعي وانتشار الإعلام الرقمي في العقد الأخير، باتت النسوية المتطرفة أكثر قدرة على التأثير والنشر، حيث تستخدم المنصات لتسليط الضوء على الظلم المزعوم من الرجال وتشجيع النساء على تحدي التقاليد والمبادئ الاجتماعية أحيانًا بأسلوب استفزازي أو هجومي.


ويمكن تحديد عدد من السمات التي تميز النسوية المتطرفة عن النسوية المعتدلة، أبرزها الرؤية القطبية للأدوار الجندرية، حيث تنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة على أنها صراع دائم وليس شراكة أو تعاون، ورفض التقليد الاجتماعي والعائلي، وتسعى إلى هدم بعض المؤسسات التقليدية مثل الزواج والعائلة وأدوار الأمومة، وتروج لأفكار تؤكد على استقلالية المرأة في كل تفاصيل حياتها أحيانًا على حساب وحدة الأسرة والمجتمع.. كما تتسم هذه التيارات باستخدام لغة عدائية أحيانًا تجاه الرجال، ووضع مصالح المرأة في المقام الأول على حساب الحقوق المشتركة، مما يؤدي إلى توترات واضحة في العلاقات الاجتماعية.


وعلى الرغم من أن أهداف النسوية المتطرفة قد تبدو في ظاهرها نبيلة، إلا أن تطبيقها في الواقع يمكن أن يؤدي إلى آثار سلبية على المجتمعات، أبرزها تفكك العلاقات الأسرية بسبب الترويج لرفض الزواج أو إنكار الأدوار التقليدية للزوج والزوجة، وزيادة معدلات الطلاق وضعف التواصل بين الأجيال، كما أنها قد تؤدي إلى صراع مستمر بين الجنسين، سواء في بيئات العمل أو الجامعات أو الحياة اليومية، مما يولد حالة من الاستقطاب الاجتماعي.. كما أن المبالغة في التركيز على مصالح المرأة قد تؤثر على الأداء الاقتصادي، خاصة إذا أصبحت السياسات جزءًا من اللوائح أو قوانين العمل، مما يؤدي إلى نزاعات داخل بيئة العمل ويؤثر على الإنتاجية، ويضاف إلى ذلك تأثير النسوية المتطرفة على الهوية الثقافية للمجتمع، إذ ييتم النظر إليها أحيانًا على أنها تهديد للقيم التقليدية، مما يولد مقاومة اجتماعية ويخلق توتراً بين الفئات المختلفة.


وينطلق النقاد من عدة ملاحظات عند الحديث عن النسوية المتطرفة، منها الإفراط في التعميم حيث يتم تصوير كل الرجال على أنهم مستبدون أو ظالمون، وهو تبسيط مخل للواقع الذي يشهد تعاونًا وتفاهمًا حقيقيًا بين الجنسين في جميع المجالات. ويضاف إلى ذلك تأثير النسوية المتطرفة على الأجيال الشابة التي قد تواجه صعوبة في التكيف مع المجتمع التقليدي، أو فهم دورها داخل الأسرة والمجتمع، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة النسوية المعتدلة التي تسعى لتحقيق التوازن والمساواة الحقيقية دون الصدام المباشر مع القيم الثقافية والدينية.


وقد ساهم الإعلام الرقمي بشكل كبير في انتشار النسوية المتطرفة، حيث أصبحت الشبكات الاجتماعية منصة أساسية لتشكيل وعي الشباب وتسليط الضوء على الصراعات الجندرية، من خلال وسائل مثل تويتر وإنستجرام وتيك توك التي أصبحت مساحات لمناقشة حقوق المرأة بطريقة حادة وأحيانًا استفزازية، مما يزيد من التوتر الاجتماعي. كما أن الفيديوهات القصيرة والميمات أصبحت أدوات لنشر فكرة الصراع بين الجنسين وتشكيل الرأي العام بشكل قد يتجاوز حدود التحليل العقلاني، وفي بعض الأحيان يتم استخدام هذه المنصات كأداة لتجنيد اجتماعي، حيث يتم تشجيع النساء على اتخاذ مواقف متطرفة ضد الأسرة أو الرجل.


ومن الضروري عند الحديث عن النسوية مواجهة التطرف بالتوازن والوعي، وذلك من خلال تشجيع النسوية المعتدلة التي تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة دون الإضرار بالنسيج الاجتماعي، مع التركيز على التعليم وتمكين المرأة في العمل والمشاركة المجتمعية. ويجب تعزيز التوعية الاجتماعية لنشر الثقافة التي تؤكد على التعاون بين الجنسين واحترام الأدوار المختلفة، وتوجيه الإعلام الرقمي نحو خلق محتوى توعوي يعزز التعاون والمساواة ويقلل من خطاب العداء المتبادل، إضافة إلى تعليم التفكير النقدي لتمكين الشباب من التمييز بين النسوية البناءة والمتطرفة وتحليل الأبعاد الاجتماعية والسياسية لكل توجه.


تمثل النسوية المتطرفة تحديًا حقيقيًا في العصر الحديث، إذ تجمع بين الطموح لتحقيق المساواة وبين نزعة التصادم مع القيم التقليدية، مما يولد جدلًا واسعًا حول دور المرأة والرجل في المجتمع.. وعلى الرغم من أن هذه الحركة دفعت المرأة إلى المطالبة بحقوقها بقوة أكبر، إلا أن الإفراط في التطرف قد يؤدي إلى تفكيك البنية الاجتماعية وخلق صراعات غير ضرورية بين الجنسين وفقدان التركيز على قضايا التنمية الشاملة.. لذلك، تظل الدعوة إلى نسوية معتدلة، عقلانية، ومتوازنة هي الطريق الأمثل لتعزيز مكانة المرأة دون المساس بالقيم الاجتماعية أو خلق أزمات جديدة.. المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة لا تتحقق بالقوة أو الصدام، بل من خلال الحوار والتعليم وتمكين المرأة في إطار مجتمع متماسك ومترابط يستطيع أن يحقق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية في آن واحد.



google-playkhamsatmostaqltradent