recent
عـــــــاجــــل

الأمن الوطني يبدأ من البيت

 

الأمن الوطني يبدأ من البيت

الأمن الوطني يبدأ من البيت


بقلم: حسن سليم

لا يولد الطفل صفحة بيضاء فحسب، بل يولد محتاجًا.. محتاجًا ليدٍ قوية تمسك به إذا تعثر، وقلبٍ دافئ يضمه إذا خاف.. ومنذ اللحظة الأولى، تبدأ الحكاية القديمة المتجددة.. حكاية الأب والأم، الشمس والقمر في سماء الطفولة.


حين قصّ سيدنا يوسف رؤياه، لم يكن يتحدث عن فلكٍ وكواكب، بل عن نظام حياة.. الشمس والقمر في رؤياه لم يتنافسا، لم يتصارعا على الضوء، بل وقفا معًا، متكاملين، ليعلنا حقيقة كبرى، وهى لا اكتمال دون اجتماع النورين.. هكذا هي حياة الطفل تمامًا.


الأب ليس مجرد اسم في شهادة الميلاد، بل هو الإحساس الأول بالأمان.. هو القانون غير المكتوب الذي يتعلم منه الطفل معنى الانضباط، ومعنى أن للعالم حدودًا تحميه لا تقيده.. في حضور الأب، يتعلم الطفل كيف يقف مستقيمًا، كيف يواجه، وكيف يقول «لا» حين يجب أن تقال.. الأب هو الشمس؛ قد تبدو حارقة أحيانًا، لكنها تصنع الصلابة، وتمنح القدرة على الاستمرار.


والأم ليست فقط مصدر الحنان، بل مدرسة المشاعر الأولى.. منها يتعلم الطفل كيف يحب دون خوف، وكيف يبكي دون خجل، وكيف يثق بأن هناك دائمًا حضنًا يعود إليه مهما قسا العالم.. الأم هي القمر؛ نورها هادئ، لا يلفت الانتباه لكنه لا يغيب، يرافق الطفل في لياليه الطويلة، ويمنحه الطمأنينة حين يخفت كل شيء.


وحين يغيب أحد النورين، يختل الميزان.. طفل بلا أب قد يعرف الحب، لكنه يفتقد البوصلة.. وطفل بلا أم قد يعرف النظام، لكنه يتيه في فراغ العاطفة.. ليست القضية تفضيلًا بين دورين، بل إدراكًا لحقيقة إنسانية راسخة هى أن التربية لا تُبنى بنصف روح.


الطفل الذي ينشأ بين أب حاضر وأم واعية، لا يكبر جسديًا فقط، بل ينمو نفسيًا وأخلاقيًا.. يتعلم أن القوة لا تعني القسوة، وأن الرحمة لا تعني الضعف.. يرى بعينيه كيف يُدار الاختلاف، وكيف تُحترم المسؤولية، وكيف يكون الحب فعلًا يوميًا لا شعارًا.


وتظل الحقيقة ثابتة لا تهتز وهى أن الأب والأم ليسا بديلين لبعضهما، بل جناحين لطائر واحد.. إن كُسر أحدهما، لم يعد التحليق ممكنًا.. وكما اجتمعت الشمس والقمر في رؤيا نبي الله يوسف عليه السلام، يجتمع الأب والأم في صناعة إنسان.. ومن هذا الاجتماع فقط، يولد طفل قادر على أن يرى العالم ساجدًا للقيم، لا خاضعًا للفوضى، إنسانًا يعرف طريقه.. لأن نوريه لم يغيبا معًا.


وإذا تأملنا واقع الطفولة اليوم، سنكتشف أن أخطر ما يواجه الأطفال ليس الفقر ولا قسوة الظروف، بل غياب التوازن الأسري.. قد تتوفر المدارس، وتنتشر التكنولوجيا، وتُفتح أبواب المعرفة على مصراعيها، لكن الطفل الذي لا يجد نموذج الأب أو دفء الأم، يظل يبحث في الخارج عما كان يجب أن يجده في الداخل.


الأب حين يغيب، لا يترك فراغًا ماديًا فقط، بل يترك سؤالًا بلا إجابة في ذهن الطفل، من يقود؟ من يضع الحدود؟ من يعلمني كيف أواجه الحياة دون أن أنكسر؟ وحين تغيب الأم، لا يختفي الحنان وحده، بل تختفي اللغة الأولى للمشاعر، تلك اللغة التي تسبق الكلام وتسبق الفهم.


وليس المقصود بالغياب هنا الغياب الجسدي فقط، بل الغياب المعنوي أيضًا.. أب حاضر بجسده غائب بروحه، وأم موجودة في البيت لكن عقلها وقلبها في مكان آخر.. هذا النوع من الغياب أكثر قسوة، لأنه يربك الطفل، يجعله يرى الصورة دون أن يشعر بالمعنى.


الطفل لا يحتاج أبًا مثاليًا ولا أمًا بلا أخطاء، بل يحتاج حضورًا حقيقيًا.. يحتاج أن يرى والده يخطئ ثم يصحح، ويعتذر حين يخطئ، فيتعلم أن الرجولة مسؤولية لا عناد.. ويحتاج أن يرى أمه قوية رغم رقتها، ثابتة رغم دموعها، فيتعلم أن القوة لا تتناقض مع الإنسانية.


وفي البيوت التي يجتمع فيها الأب والأم على كلمة واحدة، يكبر الطفل وهو يشعر أن العالم مفهوم، حتى لو كان قاسيًا.. أما في البيوت التي يتصارع فيها الدوران أو يتم إلغاء أحدهما، يكبر الطفل مرتبكًا، مشوشًا، يبحث عن الانتماء في أي مكان آخر.


ولهذا، فإن الحديث عن الأب والأم ليس حديثًا عاطفيًا، بل حديث عن أمن مجتمعي.. الأسرة المتوازنة تصنع مواطنًا متوازنًا، والمواطن المتوازن هو أساس أي وطن قوي.. فالأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، بل بالأطفال الذين تعلموا في بيوتهم معنى الانتماء، والاحترام، والمسؤولية.


وحين نعيد قراءة رؤيا سيدنا يوسف من هذه الزاوية، نفهم أن السجود لم يكن خضوعًا، بل اعترافًا بالقيمة.. الشمس والقمر لم يكونا ضد يوسف، بل جزءًا من اكتماله.. وهكذا الأب والأم في حياة الطفل، ليسا عبئًا عليه، بل دعامة، ليسا سلطة عمياء، بل أمانًا ممتدًا.


قد تتبدل الأدوار الاجتماعية، لكن تظل الحقيقة واحدة لا تقبل الجدل، لا غنى عن الأب، ولا غنى عن الأم.. فحين يجتمع النوران، يرى الطفل الطريق بوضوح، وحين يفترقان، يطول الليل.. مهما كثرت المصابيح.


google-playkhamsatmostaqltradent