المهندس المغازي أحمد المغازي سيرة رجل جعل من الأمانة منهجًا ومن البناء رسالة
كتب- د. خالد البليسي
في صفحات الرجال الذين تُقاس قيمتهم بما يتركونه من أثر لا بما يحيط بهم من أضواء، يبرز اسم المغازي أحمد المغازي كأحد النماذج التي صاغت حضورها بالفعل الصادق والعمل المنضبط. لم يكن مجرد مسؤول تقلد مناصب إدارية، بل كان حالة إنسانية ومهنية متكاملة، جمعت بين صرامة القرار ونقاء السيرة، وبين هندسة المشروعات وهندسة القيم.
وُلد عام 1949 ونشأ في بيئة تؤمن بأن العلم هو الطريق الأقصر لصناعة المستقبل. منذ سنواته الأولى، بدت عليه ملامح الجدية والانضباط، فكان ميالًا إلى الدقة، حريصًا على التفوق، مؤمنًا بأن الاجتهاد لا بديل له. تخرج في كلية الهندسة عام 1974، وبدأ مسيرته المهنية في العام التالي داخل الشركة العربية لاستصلاح الأراضي، حيث وضع أولى لبنات خبرته العملية. غير أن طموحه كان أوسع من حدود الوظيفة التقليدية، فاختار أن يخوض تجارب جديدة تفتح أمامه آفاقًا أرحب.
في عام 1978 اتجه إلى المملكة العربية السعودية، حيث أمضى سبع سنوات شكلت محطة فارقة في مسيرته. هناك، في بيئة عمل صارمة تعتمد على معايير دقيقة في الإدارة والجودة، تعمقت خبرته، واشتد عوده المهني، واكتسب خبرات تنظيمية عززت لديه مفاهيم الالتزام واحترام الوقت وإتقان التفاصيل.
عاد إلى مصر بخبرة تراكمية ورؤية أكثر نضجًا، ليلتحق عام 1992 بهيئة الأبنية التعليمية، التي كانت مسرحًا لأبرز إنجازاته. تدرج في المناصب حتى تولى منصب مدير عام الهيئة بمحافظة الدقهلية بدرجة وكيل وزارة. لم يكن إداريًا تقليديًا يكتفي بإدارة الملفات من خلف المكاتب، بل كان حاضرًا في مواقع العمل، يتابع المشروعات بنفسه، يدقق في التفاصيل، ويشدد على معايير الجودة والانضباط.
عرفه العاملون في قطاع التعليم بالدقهلية رجلًا لا يساوم على المال العام، ولا يقبل التهاون في تنفيذ المشروعات، ولا يرضى إلا بما يليق بمؤسسة الدولة. كان يؤمن بأن كل مدرسة تُبنى هي استثمار في المستقبل، وأن كل جنيه يُنفق يجب أن يترجم إلى خدمة حقيقية للمواطن. لذلك اكتسب احترام زملائه ومرؤوسيه، وتحولت تجربته إلى نموذج إداري يُستشهد به في الجدية والنزاهة.
لم تتوقف قيادته عند حدود العمل. في بيته، كان أبًا ومعلمًا قبل أن يكون مسؤولًا. غرس في أبنائه قيم الالتزام والأمانة وحب العلم، فكانوا امتدادًا طبيعيًا لنهجه في الحياة. لم يكن فخورًا فقط بما حققوه من درجات علمية، بل بما حملوه من أخلاق وسلوك مستقيم، مؤمنًا بأن الشهادات تكتمل بقيم أصحابها.
في الثالث من أبريل عام 2019، رحل عن عالمنا، لكن حضوره لم ينقطع. فقد ترك وراءه سيرة ناصعة تشهد على رجل عاش وفيًا لمبادئه حتى اللحظة الأخيرة. كان رحيله مناسبة استدعت شهادات صادقة من كل من عرفه، موظفين ومهندسين ومعلمين، تحدثوا عن مسؤول كان يستمع قبل أن يقرر، ويحاسب بعدل، ويدعم المجتهد بلا تردد.
قصص كثيرة رويت عن حرصه على حماية المال العام، وعن رفضه أي تقصير مهما بدا بسيطًا، وعن دعمه للشباب المهندسين الذين تعلموا على يديه أن الجودة ليست رفاهية بل التزام أخلاقي. كان هادئ الصوت، قوي الحضور، حاسم القرار، رحيم القلب، وهي معادلة قلما تجتمع في شخصية واحدة.
لم يكن المغازي أحمد المغازي اسمًا عابرًا في سجل الوظائف، بل قيمة مهنية وإنسانية متكاملة. عاش نظيف اليد، مستقيم المسار، وترك إرثًا من الثقة والاحترام والذكر الطيب. وهكذا تبقى سيرة الرجال الذين يصنعون الأثر حية في وجدان من عرفوهم، لأن البناء الحقيقي لا يُقاس بالحجر وحده، بل بما يرسخه من قيم تبقى بعد الرحيل.
