«ومضى قطار العمر».. قصة قصيرة
بقلم: د. سعيد محمد المنزلاوي
ومضى قطار العمر
أوقفتِهِ عمركِ كله؛ فلم تري سواه.
وأفنيتِ بين يديه زهرة أيامك، حتى فارقك العبير.
وانتظرتِ أن يعود.. طال الغياب، وبعُد المسير.. وأضناك البِعاد.. فإلام تغفو عيناك حتى تسرب العمرُ، ولم تجني بيدك سوى السراب ..
وأفقت، الآن فقط أفقت، ولكن بعد أن مضى قطار العمر، ولم تجني سوى الحسرات.
عقارب الساعة في دورانها الحثيث، كأنها تتأهب؛ لتنقض عليك وأنت سادرة في الوهم على أمل أن يعود إليك يومًا ما.
ولكنه لم يعد.. لم تسقه قدماه إليك، كما كنت تتوقعين، أو كما أملى عليك خيالك السقيم. كان يجد في البعد عنك ألف عذر وعذر. وكنت ـ ترغمين نفسك ـ على قبول أعذاره الواهية، وتصدقين حججه المتكررة، ولا يزال الأمل يداعب خيالك السقيم، ولا زلت تتشوفين ليوم يعود فيه إليك..
كانت الطرق كلها مسدودة وجميع الأبواب موصدة، والعمر ينفرط من يدك كحبات العقد، وتتغافلين عمدًا عن مرور الزمن، وأنت لا زلت تنتظرين أوبته إليك على فرس أبيض كي يمنحك لقب زوجة ثم لقب أم. ولكن هيهات .. فلم تجني بيدي سوى الحسرة والسراب.
كان الشيب قد بدأ يزحف في رأسك كدبيب النمل؛ حتى أحاله ألى ما يشبه نجوم السماء في الليل البهيم. كانت المرآة صادقة معك، فلم تخفِ عنك أمارات الشيب، ولا تجاعيد الوجه، ولا تيبس كفيك. ولأن الليل ليل شتاء، والنوم قد جفا عينيك، وعقارب الساعة كأنما جمدتها برودة الطقس في شهر فبراير، فتباطأت في خطوها، وأمسى الزمان ثقيلًا كالهموم.
صنعت لنفسك كوبًا من الشاي، وأحضرتِ بعض الكعك، كنت تشعرين بالجوع وبالبرد وبالحرمان. كنت تجلسين قبالة المرآة.. ودار بينكما الحوار التالي:
المرآة: لقد غزا الشيب رأسك، ولا زلت تنتظرين أوبته، كي يأخذك على فرسه الأبيض.
أنتِ: إنني لا زلت أحبه.
المرآة: وهو؟
أنتِ: هو – لا شك – يحبني. أنا على يفين من حبه لي.
المرآة: الحب أفعال، وليس مجرد أقوال ومشاعر خرساء، تسبح بك في عالم الخيال، بعيدًا عن أرض الواقع.
أنتِ: لقد وعدني أننا سنتزوج وسأنجب وأصبح أمًّا.
المرآة: وعدك؟ ولِمَ لَمْ يفِ بوعده لك حتى الآن؟
أنتِ: إن لديه من الظروف المادية ما يحول بينه وبين البناء بي. إن ظروفه صعبة بالفعل، إنه يشاركني همومه.
المرآة: ما أشد غباءك! الظروف أكبر محطم للحب. ولا شك أن حبه لك وهم وزيف وادعاء.
أنتِ: أنت تتجنين عليه.
المرآة: بل أنت تجنين على نفسك، فقد أضعت عمرك هباءً.
أنتِ: أنا؟
المرآة: نعم، وها هو حلم الأمومة ينسحب كالبساط من تحت قدميك، ومن قبله حلم الزواج.
أنتِ: وماذا عليَّ أن أفعل؟
المرآة: لا تلتفتي وراءك.
أنتِ: وقلبي؟
المرآة: وهل أرداكِ سواه؟ فليكن أول عمل تقومين به، هو أن تسحقي قلبك.
أنتِ: وهل أحتمل أن أعيش بلا قلب، وأن أحيا بلا حب؟
المرآة: وهل تحتملين أن تقضي بقية عمرك تسعين خلف سراب؟
لم تكن لديك إجابة؛ فأدرتِ للمرآة ظهرك، ونظرت لعقارب الساعة، كان الليل قد انتصف، أسرعت بالتقاط هاتفك، حاولت الاتصال به، كان هاتفه مشغولًا، عاودت الاتصال به مرات ومرات، أكثر من ساعة، وهو مشغول بمكالمة أخرى. عندما دقت الساعة الواحدة، جاءك اتصال منه، يعتذر إليك بأنه كان نائمًا. ولكنك على يقين أنه لم يك نائمًا.
ترى هل كان يكلم فتاة غيري؟ وهل استأثرت بقلبه دوني؟
آلاف الظنون تزاحمت في رأسك الصغير؛ حتى كاد أن ينفجر، وجفاك النوم، وارتحل بعيدًا عنك.
عدتِ إلى المرآة، بدت صورتك أكثر حدة، وبدا وجهك أكثر صفرة وشحوبًا. صفقت بكفيك، ثم نفضتهما؛ كأنما لا حيلة لديك.
أمسكت بالورقة والقلم، ورحت تخطين خطوطًا وترسمين قلوبًا، وتمزقينها بخناجر مسمومة..
شد ما تعانين من شتى الهواجس والظنون!
الآن، وقد أدميت القلوب، رحتِ تمزقينها في غضب ثم تسحقينها تحت قدميك.
الآن صرتِ بلا قلب، بلا حب، بلا شوق، وبلا مشاعر.
- ما أقسى جرح الكرامة!
تفوهتِ بها، وأتبعتها بزفرة حارقة من أتون صدرك المتأجج بالنار.
- ماذا وجد فيها، وليس عندي مثله؟
- هل ستحبه أكثر مني؟
- هل تستطيع أن تضحي كما ضحيت؟
- هل ......؟ هل .......؟
تزاحمت الأسئلة المحمومة ـ بين يديك ـ على الخوان، تفتش عن إجابة شافية، ولكنك لا تملكين أية إجابة. كل ما استطعت فعله، هو أن تعيدي ترتيب الأسئلة، وفي كل مرة تنهال عليك تساؤلات أكثر كل منها يبحث عن إجابة، ولم تصلي بعد ذلك إلى جواب يشفي غلتك.
وظللت حبيسة مكانك حتى طلع النهار، فتثاقل جفناك رغمًا عنك، واستسلمت للنوم على الأريكة.
- أصعب شيء أن تنام على أريكة غير مريحة.
كان هذا أول ما فُهتِ به فور استيقاظك في العاشرة صباحًا.
فتحت بيانات الهاتف، فانهال وابل من الرسائل كان أغلبها منه؛ يعتذر إليكِ.
سرعان ما نسيت غضبك، وطرحت ظنونك أرضًا. لِنتِ له بالقول، وأهديته قلوبًا وقبلات بين الفينة والفينة.
تحدث معك في كل شيء، إلا الشيء الذي لا زلت تنتظرينه منه؛ أن يبني بك. هممت أن تخبريه بذلك، لكنه كان قد اعتذر لانشغاله بالعمل. ثم أغلق الاتصال قبل أن يسمع منك ردًا. لتعودي مرة أخرى للحيرة والفكر وتنهشك طوال الليل شتى الظنون.
ساورتك إحدى الوساوس؛ فقمت على الفور بالاتصال به. كان هاتفه مشغولًا.
عاودت الاتصال مرة بعد أخرى. أكثر من ساعة والهاتف لا يزال مشغولًا.
وانتظرت أن يتصل بك، وبالفعل جاءك اتصال منه، يخبرك فيه أن هاتفه كان مغلقًا، وأن كان منشغلًا ببعض الأعمال.
الآن، والآن فقط، تحققت من كذبه وخداعه. لابد أن هناك امرأة أخرى في حياته.
- وأنا؟
- هههه، أنت؟
- نعم، أنا حبيبته.
- أنتِ واهمة؛ لقد جعلك تعيشين معه أكبر وهم؛ أنفقت فيه من عمرك سنين.
- وماذا عليَّ أن أصنع؟
- المواجهة، والإلحاح عليه في الزواج بك، وإلا ...
- وإلا .... ماذا؟
- اطوِ صفحته.
- وعمري الذي أوقفته عليه؟
- لقد ذهب هباءً.
- يا ويلي! يا ويلي! يا ويلي!
- لم يعد أمامك إلا أن تواجهينه، وبعدها يتقرر مصيرك.
وبعد أخذ ورد بينك وبين نفسك، اتخذت قرارًا بالمواجهة، مهما كان الثمن، ومهما تكن العقبة.
وانتظرت حتى المساء، حيث الموعد المعتاد لحديثكما معًا. استجمعت شجعاتك، ورتبتِ أفكارك جيِّدًا.
وفي تمام الساعة التاسعة، أخذت نفسًا عميقًا، أنعشت به صدرك، وأكسبت نفسك به مزيدًا من الثقة. فتحت بيانات الهاتف، فتحت (الواتساب)؛ فوجئت بأنه قام بحظرك، أسرعت إلى دردشة (الماسنجر)، كان قد حظرك. اتصلت به هاتفيًّا.. جُن جنونك .. لقد أغلق دونك جميع منافذ الولوج إليه.
رحت تنعتينه بأشنع الصفات، وأنت تندبين حظك العاثر.
لم تنامي تلك الليلة، وما إن طلع النهار، هل ارتديت ثيابك، ذهبت إليه في مقر عمله؛ لتواجهينه هناك. فوجئت بأنه لم يأت، أخبروك بأنه في إجازة لمدة أسبوع، لأنه تزوج بالأمس.
- عقبال ولادك.
شيعك بها الموظفون، ولم يدروا أنهم يدمون بها عمرًا راح سدىً.
جُنَّ جنونك، ورحت تنوحين كالثكلى. وسارت بك قدمك إلى حيث يقيم مع عروسه.
كانت العروس تصغرك بنحو عقد من الزمن، رحبتْ بك؛ كانت تظنك
إحدى قريبات زوجها.
رحت تتأملين الشقة والأساس:
- ستكون شقتنا صغيرة تتسع لي ولك ولطفلتنا الوحيدة.
أبرقتْ عينك وأنت تتأملين الشقة وكل ما فيها قد حكى لك عنه، ولكنها صارت لغيرك.
- سيكون الطلاء باللون السماوي الذي تحبينه، أمَّا الحمام...
أفقتِ من شرودك عليه، وهو خارج من الحمام شبه عارٍ، التقت عيونكما، ألجمت الدهشة لسانه، تسمَّر في مكانه كجذع نخلة منقعر، لا يدري ماذا يفعل.
تقدمتِ نحوه بخطوات ثابتة. ثم هويتِ بيدك على وجهه أمام عروسه.
كانت اللطمة من القوة ما جعلته يفقد توازنه ويسقط. أسرعت نحوه عروسه، والتي أذهلها ما حدث. وخرجت تاركة الزوج في ثوب من الخزي والصغار، ثم نما إليه صوت اشتباكهما معًا.
قطعت المسافة من منزله إلى منزلك في زمن أقل. كانت رأسك شامخة، وملامح وجهك جامدة، كأنما صبت من فولاذ.
ما إن احتواك المنزل؛ حتى انخرطت في بكاء مرير. شعرتِ كأنما انهدم شيء من بنيانك. صرت أكثر ضعفا، وشعرت كأنما كبرت عشرين سنة دَفعة واحدة.
التفت إلى صورتك في المرأة، كان الشيب قد احتل جزءًا كبيرًا من رأسك، مسَّكِ الذبول، وصرت كزهرة يابسة، ذات ملمس خشن، بهت لونها، ولم يعد يفوح منها العبير.
أنكرت صورتك التي في المرأة؛ فقمت بتهشيمها بقبضتي يديك. صارت الصورة مسخًا اختلط فيه بياض الشعر بلون الدماء بتعرجات الزجاج المهشم.
لم تبالِ بالدم الذي يسيل من يديك، استدبرت المرآة، وخرجتِ إلى الشرفة؛ كنت في حاجة إلى أن تعبي صدرك بهواء جديد.
