recent
عـــــــاجــــل

«ضجيج الصمت».. قصة قصيرة

 

«ضجيج الصمت».. قصة قصيرة

«ضجيج الصمت».. قصة قصيرة

بقلم: د. سعيد المنزلاوي

 لم تره منذ بضعة أشهر، لكنها فوجئت به اليوم، يمر أمامها، كان قد نحل بدنه بدرجة كبيرة. كان يضمهما تدريب من تلك التدريبات التي يشغلون بها المعلمين؛ كي يضيعوا عليهم لذة الاستماع بعطلة نصف العام.

 بعد انتهاء اليوم التدريبي، ذهبت إليه، صافحته، كانت يده باردة كأيدي الموتى، مما زاد من أسفها عليه.

 كان بينهما من الود، ما جعلها تقحم نفسها في السؤال عن حاله وعن السبب وراء نحوله الشديد.

 - ماذا أصابك، حتى تردى حالك إلى تلك الصورة المزرية؟

 صفعه السؤال، فارتد من واقعه إلى ذكريات جد أليمة. كان يجاهد نفسه؛ كي ينساها، ولكن النسيان كان يتأبى عليه، فكانت تطفو على السطح من آن لآخر، لا سيما، إذا ذكره أحد بها، أو سأله عن حاله.

 لم يجد مفرًّا من الاعتراف لها بالأسباب التي أودت بصحته، حتى فقد من وزنه الشيء الكثير.

 - لقد كنت بدينًا، لدرجة كنا نتندر بها عليك ونلقبك بالسفينة. هل تذكر؟

 افترَّ ثغره عن ابتسامة باهتة، محت طلاوة المزحة. ثم تبعتها آهة موجعة، ندت عنه، ولها دوي شرخ الصمت من حولهما.

 شعرتْ بأن جراحه غائرة، كانت الآهة تخرج من صدره، وتتصدع لها جنبات نفسه.

 أشفقت عليه من الحكي، لكن كانت لديه رغبة أن يحكي لها؛ لعله يتخفف من بعض أوجاعه، عندما يتقاسمها مع رفيق.

 - آااااااه!

 زفر معها أنفاسه الحارة، مما زاد من لهيب الهواء بينهما.

 أومأت إليه بباطن كفها أن يتوقف؛ كي لا تفجر فيه ينابيع الأسى، لكنه ثنى بيمناه أناملها، مع ابتسامة، جاهد أن تخرج صافية، رغم جفافها.

 كانا لا يزالان واقفين، فأشار إلى مقعد وثير تحت إحدى أشجار الكافور العتيقة، افترشا ظلها؛ كي يحميهما من وهج الشمس الحارق.

 تسمرت عيناها بشفتيه؛ كي لا تتسرب كلمة منه في غفلة منها. ضيق ما بين حاجبيه، مستدعيًا تلك الذكريات الحبيسة، ثم قطب جبينه، فوشت تعرقات جبهته عن عمره، كان في العقد الرابع لم يزل، وإن غزا الشيب رأسه إلا من شعرات سود متناثرة في مفرق رأسه على استحياء. 

 - هل كنت مريضًا؟

 ألقت بها بين يديه، وهي تتمنى في قرارة نفسها، أن تكون مخطئة.

 - لا.

 بالرغم من قلة حروفها، إلا أنها حملت إليها الطمأنينة بعض الشيء. فحملقت فيه بعينيها، مستفهمة. فافتر ثغره عن ابتسامة، قام على الفور بوأدها. ثم عاد إلى الصمت.

 تساقطت إحدى أوراق الكافور اليابسة، فسحقها بأنامله، كأنها عدو ينتقم منه.

 كانت على علم بما مرَّ به من مآسٍ في الفترة الماضية، لم يكن ما مرَّ به هينًا، لكنَّ ما وصل إليه لابد وأن يكون وراءه سبب أكبر بكثير مما تعرض له.

 حدَّقت في عينيه مرة أخرى، كأنهما ترجوه أن يبوح بسره المكنون، لم يستطع أن يهرب من عينيها العسليتين؛ فاستجاب لها.

 - أعرف أنك تتشوفين لمعرفة السبب.

 أومأت برأسها علامة الإيجاب. فاسترسل:

 - ولن أضن عليك بالجواب.

 انفرجت شفتاها عن ابتسامة امتنان، ما جعله يواصل حديثه بحماس:

 - تعرفين ما وقع بيني وبين فلان؟

 هزت رأسها، ودعمتها بقولها:

 - نعم، نعم.

 - لقد كان من الخسة أن زجَّ بي في غياهب السجن. 

 - السجن؟

 - نعم، السجن.

 وضعت كفيها على جبينها، واتكأت بكوعيها على المنضدة، أغمضت عينيها، وغمغمت:

 - يا الله! وهل يطيق مثلك السجن؟

 ابتسم في فتور، ثم قال، وقد استحال صوته إلى حزن خالص:

 - السجن، آه لو تعلمين ما كنت أعانيه وأنا في ظلمات السجن.

 راح يسرد عليها بعض ما لقيه هناك، عن تلك الليالي القاسية، والتي قضاها في محبسه، لا يدري عن مصيره شيئًا، ولا متى يؤذن له بالخروج. كان كلما حكى يشعر براحة من يتخفف من أحزان تجثم فوق صدره، بينما هي تنتحب في صمت.

 ربت على كتفها، يرجوها أن تتوقف عن النحيب.

 - لا عليكِ، لقد كانت فترة وانقضت، والحمد لله، وها أنا الآن واقف أمامك.

 رفعت إليه عينين نديتين، وراحت تتحسس كفيه؛ كأنما تتثبت من وجوده أمامها. ثم قالت:

 - الآن عرفت سر نحولك: الظلم وقلة الزاد.

 أومأ برأسه مؤيدًا، فاسترسلتْ: 

 - قلة الزاد يمكن تعويضها.

 فأكمل:

 - أما الخذلان والشعور بالظلم، فذلك أمر جد عظيم.

 - ولكن، لابد وأن تنسى.

 - كيف أنسى، ولا زالت مرارة الظلم في حلقي!

 أخرجت من حقيبتها، زجاجة بها عصير الليمون، ناولتها له، فازدردها في جرعة واحدة. كانت ثمة نيران تتقد في صدره، تشي بها أنفاسه الحارقة. 

 نظرت إليه بتوسل بعينين قد اغتسلتا بالدموع، ترجوه أن يكف عن الحكي وأن ينسى، فرفع إليها عينين ممتنتين:

 - لا تحزني، لقد خرجت من السجن، وأنا إنسان آخر.

 نظرت إليه بريبة، تخشى أن يكون قد خرج، وفي نيته أن ينتقم.

 قرأ ما في عينيها، من تساؤلات خشيت أن تواجهه بها، فأجابها:

 - لا تراعي، لن أنتقم من أحد، فليس عندي استعداد أن أدخل السجن مرتين.

 سألته وهي تكفكف دمعها بظهر كفيها:

 - وماذا ستفعل إذن؟

 سرح ببصره نحو الأفق، بينما كانت الشمس تجر أذيالها نحو المغيب، فراح يتأمل قرص الشمس الدامي، حتى تبدد في الفضاء. ارتفع أذان المغرب، شعر بقشعريرة تسري بين جوانحه، تبددت معها مخاوفه، ولم يعد هناك ما يخشاه. فقال بصوت حالم، يحمل عذوبة رائقة:

 - سأحافظ على حريتي، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.

 أهدته ابتسامة رضا، ثم أشارت إليه أن ينصرفا؛ مضت هي إلى بيتها، وسار هو في إحدى الشوارع الجانبية كما اعتاد في الفترة الماضية، هربًا من العيون المتلصصة عليه، ولكنه انحرف يمنة حيث الشارع الكبير، والذي يكتظ بالمحلات وبالسيارات وبالمارَّة، فاندس بينهم، وانتصب في مشيته، فليس هناك ما يجعله يخجل أو يخزى أو ينكسر.


google-playkhamsatmostaqltradent