مفتى على درب الكبار.. ألف تحية إلى مفتي الديار المصرية
بقلم: رضا حليمة
كتبت ساخرا قبل ذلك أن مصر بها مائة مليون مفتي!
وأن من يجد شخصا يقول لا أدرى فليعرفنى عليه !
وذلك نظرا لكثرة المتكلمين فى كل شئ حتى أصبح الأمر عادة وطبع. فتجد الإنسان المصرى البسيط يتكلم فى كل شىء "فى الرياضة، والسياسة ،والعلوم، والفنون حتى الدين ...من الممكن أن يتكلم ويعطيك فتوى من تلقاء نفسه بكل سلاسة وهدوء وكأنه قد حاز العلوم والفنون وأفنى عمره كله فى دراسة علوم الشريعة.. يا للعجب ."!
وإن هذا الأمر من الخطورة بمكان رغم استهزاء البعض به إلا أنه وللأسف أصبح ثقافة الملايين من الشعب!
(أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.)
إن خطورة هذه الظاهرة تكمن فى الاتى:
أولا: أن هذه الجرأة على الفتوى والحديث فى الدين جرأه ممقوتة ومكروهة ربما تؤدى بصاحبها والعياذ بالله إلى النار قال -صلى الله عليه وسلم -أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.
ثانيا: أن ذلك من أعظم الكبائر " أن يقول الإنسان على الله ما لم يعلم " وأن تقولوا على الله ما لم تعلمون.
قال ابن القيم رحمه الله عن تعرضه لهذه الآيه ( قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}
فرتب المحرمات أربع مراتب: وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ، ثم ثنى بما هو أشد تحريمها منها وهو الإثم والظلم ، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منها وهو الشرك به سبحانه ، ثم ربّع ما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم ، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم فى أسمائه وصفاته وأفعاله وفى دينه وشرعه.
ثالثا: نوع من أنواع الافتراء على الله ومعلوم أن من أفتى بغير علم فقد تقول على الله الكذب ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون).
رابعا : إضلال الناس : تؤدى إلى انتشار الجهل والبدع والفتن وإفساد الناس فى دينهم ودنياهم .
(تعظيم السلف لأمر الفتيا)
كان السلفُ رضوان الله عليهم - لشدة علمهم وفقههم ومعرفتهم - يدركون قدر الفتيا وثقل أمرها وخطورة عاقبتها؛ ولهذا كانوا يهابون هذا الموقف ويَحْذَرُونه ويُحَذِّرون منه..
قال ابن المنكدر: "العالم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم".
وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يقول: "من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف خلاصه ثم يجيب".
وسُئلَ عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: "لولا الفَرَقُ من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت! يكون لهم المهنأ وعلي الوزر".
وقد ثبت عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى رحمه الله أنه قَالَ: "أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُرَاهُ قَالَ: فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ مُحَدِّثٌ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ، وَلَا مُفْتٍ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا".
وقال أيضا: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُسأَل أحدُهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول".
وهذا يدل على أن الأول كان أهلا لها وأجدرَ بها، وإنما ردها لغيره لعل أخاه أن يكفيه مؤنتها ويكفيه أمرها.. فلما رجعت إليه لم يجد بُدًّا منها.
وهذا ما ينبغي على كل من يخاف الله تعالى، وهو ما قرره ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين قال: "وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرعَ في الفتوى، ويودُّ كلُّ واحد منهم أن يكفيه إياها غيرُه، فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى".
وإننى هنا وإذ أتعرض لمثل هذا الموضوع أسجل موقفا مشرفا يكتب بماء الذهب لعالمنا الجليل وأستاذنا الحبيب سماحة مفتي الديار المصرية
الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتى جمهورية مصر العربية.
من حسن الحظ ومن تدابير القدر أن أكرمنى الله بحضور محاضرة قيمة وشيقة لفضيلته استمرت على نحو الساعتين والرجل يفيض علما ولا يكرر جملة ولا فكرة وإنما كالنهر الجارى والبحر الفياض ... وفى نهاية المحاضرة قام أحد الحضور من مشايخنا الأفاضل ليسأل فضيلته سؤال ويستفتيه فى فتوى لو تعرض لها شخص آخر على الهواء مباشرة فى إعلام أو غيره لربما أرغى وأزبد وتفنن كيف يجيب دون أن يقول لا أدرى ، ولكن المفاجأة أن فضيلته -حفظه - ورعاه- قال بكل قوه وفخر بعزة العالم وبتواضعه أيضا
لا أدري! هذه مسألة ينبغى أن تستدعى فيها المتخصصون من أصحاب الإختصاص ونتشاور فيها مع لجان الفتوى المختلفة حتى نصل إلى الرأي السديد الذى يرضى الله ورسوله ، ويعم النفع على المستفتى وغيره .فما كان منى ومن كل الحضور إلا أن نقف إجلالا وإكبارا وتعظيما لسماحته على جرأته فى الحق .. وعدم هيبته للموقف ، وعدم الالتفاف -لف ودوران - دون إجابة.
حقا إن فضيلته أعطانا درسا نحن معاشر الأئمه الحضور لا ينسى مدى الحياة. وأنا بدوري أقوم بتوثيق هذا الموقف وتسجيله ليكون قدوة وأسوة لكل من يتصدر للفتوى أو يسئل سؤال فلا خير أن يقول لا أعلم.
