حسن سليم يكتب: لماذا لا تكون للأزهر شيخة؟
خرج شيخ الأزهر ليعلن أحد عشر قرارًا تحت عنوان حماية حقوق المرأة، قرارات تتشابه في روحها وخطابها مع أدبيات المجالس النسوية واتفاقية سيداو أكثر مما تشبه خطاب الفقه الإسلامي الذي حكم المجتمعات قرونًا دون أن يفككها أو يدخلها في صراع بين الرجل والمرأة.
اللافت أن هذه القرارات لم تأتِ في سياق معالجة خلل اجتماعي حقيقي بقدر ما جاءت في إطار خطاب عالمي ضاغط، يطالب بإعادة هندسة الأسرة، وتفريغ القوامة من مضمونها، وتحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى ساحة اشتباك قانوني دائم، لا إلى شراكة متوازنة كما أرادها الشرع.
وحين يتحدث شيخ الأزهر عن المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وعن تولي المرأة جميع الوظائف التي تصلح لها بما في ذلك الوظائف العليا، يصبح من المشروع، بل من الواجب أن نطرح السؤال الذي يتجنبه الجميع:
لماذا لا تكون هناك شيخة للأزهر؟
أليس الأزهر مؤسسة؟
أليست المشيخة وظيفة عليا؟
أليست الكفاءة، حسبما قيل، هي معيار التفاضل وليس النوع؟
أم أن المساواة تُستخدم حين تكون على حساب الرجل، وتتوارى حين تقترب من مواضع السلطة الحقيقية؟
الغريب أن الإمام الأكبر يبالغ في الحديث عن تمكين المرأة داخل الأسرة، والسفر، والعمل، والولاية، والطلاق، لكنه يتوقف فجأة عند أسوار الأزهر، وكأن هذه المساواة تفقد صلاحيتها بمجرد الاقتراب من كرسي المشيخة. هنا تحديدًا يسقط الخطاب، ويظهر التناقض.
فإما أن يكون هذا الكلام قناعة حقيقية، وعندها يصبح فتح باب مشيخة الأزهر أمام النساء استحقاقًا منطقيًا لا مفر منه،
وإما أن يكون مجرد خطاب للاستهلاك الدولي، وفض مجالس، وطمأنة للمنصات الأممية، دون نية حقيقية لتطبيقه، وفي هذه الحالة يصبح الحديث كله بلا وزن فقهي أو أخلاقي.
الأخطر من القرارات ذاتها، هو تغييب الرجل تمامًا من المشهد، وكأنه المتهم الدائم، والعبء الاجتماعي، والخصم الذي يجب تقليص نفوذه داخل الأسرة.. هذا الخطاب لا يحمي المرأة، بل يزرع العداء داخل البيوت، ويفكك المجتمعات من الداخل، ويحول الأسرة إلى ساحة صراع حقوقي لا علاقة لها بالسكينة أو المودة أو الرحمة.
نحن لا نحتاج إلى نسخ مستوردة من مفاهيم غربية فشلت في مجتمعاتها، ولا إلى ترديد شعارات المساواة بمعناها الصدامي، بل نحتاج إلى فقه يوازن، لا فقه يجامل، ويصون المجتمع لا يرضخ للضغوط.
ويبقى السؤال قائمًا، وسيظل مطروحًا مهما حاول البعض تجاهله وهو إذا كان الأزهر مقتنعًا فعلًا بكل ما يعلنه عن تمكين المرأة، فلماذا لا يجرؤ على إعلان الخطوة الطبيعية التالية؟
ولماذا لا نرى يومًا امرأة تتقدم لمشيخة الأزهر؟
أما إذا كانت الإجابة لا، فليقال ذلك بوضوح، وليتوقف هذا الضجيج.
