أيتام على قيد الأبوة
بقلم: حسن سليم
المرأة التي تتجرد من رسالة الأمومة فتجعل أبناءها أدوات ضغط في معركة شخصية، لا ترتكب خطأ عابرًا يمكن تبريره بمرارة التجربة أو قسوة الانفصال، بل تمضي في مسار أخلاقي بالغ الخطورة يهدد كيان الأسرة ويزعزع البنية النفسية لأطفال لا ذنب لهم إلا أنهم ولدوا من علاقة انتهت.. عندما تتحول الأم من حضن آمن إلى طرف في صراع، ومن مصدر احتواء إلى أداة ابتزاز، فإنها لا تعاقب رجلاً بقدر ما تقتطع من أرواح صغارها مساحات الطمأنينة التي كان ينبغي أن ينشأوا فيها.
الخلاف بين الزوجين، مهما تعاظم، يظل شأناً بين بالغين يملكان أدوات الاختيار والرد، أما الطفل فكيان هش، يتشكل وعيه على مهل، ويتغذى وجدانه من حضور أب وأم معاً، حتى لو افترقا.. العلاقة الزوجية قد تنتهي بالطلاق، لكن العلاقة الأبوية لا تلغى بقرار، ولا تمحى بنزوة غضب، ولا تختزل في ورقة رسمية.. الأبوة رابطة فطرية، عميقة الجذور، تمتد في وجدان الطفل كامتداد اسمه وملامحه وملامح روحه.. وعندما تقرر أم أن تقطع هذا الامتداد بدافع الانتقام أو الطمع أو الرغبة في إذلال رجل كان يوماً شريكها، فإنها تضع أبناءها في قلب عاصفة نفسية لا يدركون أسبابها ولا يملكون دفعها.
والمشهد يتكرر في بيوت كثيرة، أم ترفض تمكين الأب من رؤية أبنائه إلا بشروط مجحفة، أو تؤجل المواعيد، أو تختلق الأعذار، أو تزرع في عقول الصغار روايات مشوهة تصور الأب في هيئة مهملة أو قاسية أو غير مبالية.. والطفل، بطبيعته، يميل إلى تصديق من يعيش معه ويعتمد عليه، فيتشكل وعيه على صورة أحادية قد لا تعكس الحقيقة كاملة.. هكذا يدفع دفعاً إلى تبني موقف عدائي من أحد والديه دون أن يفهم سياق الأحداث، فينشأ داخله صراع صامت بين حنين فطري إلى أبيه وخوف مكتسب من إغضاب أمه.
هذا الصراع لا يمر بلا أثر.. فالطفل الذي يمنع من رؤية أبيه ظلماً، أو يجبر على كرهه، قد يعاني اضطراباً في مفهوم الأمان، فيشعر أن العلاقات قابلة للانهيار المفاجئ، وأن الحب مشروط، وأن القرب قد يتحول إلى قطيعة بقرار من طرف أقوى.. مثل هذا الإدراك المبكر يترك ندوباً خفية، قد تظهر لاحقاً في صورة قلق مزمن، أو صعوبة في بناء علاقات مستقرة، أو خوف مفرط من الهجر.. وعندما يكبر الطفل ويدرك أن الحقيقة لم تكن كما صورت له، قد تتصدع ثقته بمن ربته، ويشعر بأنه استخدم أداة في معركة لم يكن له فيها رأي.
فالأنانية التي تدفع امرأة إلى اتخاذ أبنائها رهائن معنويين ليست قوة كما قد تتوهم، بل ضعف في إدارة الألم، وعجز عن الفصل بين الخاص والعام، وبين الجرح الشخصي وحق الأبناء.. لأن الكرامة لا تستعاد بحرمان طفل من أبيه، ولا تصان بالانتقام عبر قلوب صغيرة.. إنما الكرامة الحقيقية تتجلى في القدرة على ضبط النفس، وفي السمو فوق الرغبة في التشفي، وفي الإقرار بأن مصلحة الأبناء تعلو على مشاعر الغضب مهما كانت مبررة.
ثم إن المكاسب الدنيوية التي قد يتم تحصيلها بهذه الوسائل تبقى مؤقتة، بينما الخسائر ممتدة. قد تحصل الأم على تنازل مالي، أو تشعر بلحظة انتصار حين ترى الطرف الآخر متألماً، لكن الثمن يدفع من رصيد الثقة بينها وبين أبنائها، ومن رصيد استقرارهم النفسي.. فالسنوات التي يحرم فيها الطفل من أبيه لا يمكن استردادها لاحقاً، والذكريات التي لم تصنع لا يمكن تعويضها، والعلاقة التي أضعفت عمداً قد تحتاج أعواماً لإعادة بنائها إن أتيح لها ذلك.
البعد الأخلاقي في هذه المسألة بالغ الحساسية.. فالطفل أمانة، وليس ملكية خاصة.. والأم ليست وصية مطلقة تتصرف في مشاعر أبنائها كما تشاء، بل راعية مسؤولة أمام ضميرها وأمام مجتمعها وأمام ربها.. فقطع الصلة بين الأب وأبنائه دون مسوغ حقيقي ظلم بين، لأنه يحرم الطفل من حق أصيل في التواصل والرعاية والتوازن العاطفي.. فالعدالة تقتضي الفصل بين فشل العلاقة الزوجية واستمرار العلاقة الأبوية، والخلاف يدار في إطار الإنصاف، لا في ساحات النفوس الصغيرة.
والمجتمع بدوره معني بهذه الظاهرة، إذ لا يكفي أن تلقى اللائمة على الأفراد دون مراجعة الثقافة السائدة.. وعندما يتم تبرير السلوك الانتقامي تحت لافتة الدفاع عن الكرامة، أو يتم التسامح مع تعطيل أحكام الرؤية، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى الأطفال هي أن حقوقهم قابلة للمساومة.. ومن الواجب ترسيخ مصلحة الطفل فهي المعيار الأعلى، وأن أي إجراء يخالفها، ولو صدر من أم، يستحق المراجعة والمساءلة.
الأمومة امتحان يومي للضمير، وليست لقباً يمنح حصانة من الخطأ.. فالأم التي تفصل بين ألمها الخاص وواجبها تجاه أبنائها، فتتيح لهم علاقة متوازنة بأبيهم، إنما تقدم درساً في النضج والمسؤولية.. أما التي تخلط بين الجراح والحقوق، وتجعل من أطفالها جسراً تعبر عليه إلى تصفية حساباتها، فإنها تزرع في حياتهم تعقيدات كان يمكن تجنبها بقليل من الحكمة وكثير من التقوى.
والزمن كفيل بكشف الحقائق، والأبناء حين يكبرون لا يبقون أسرى الرواية الواحدة.. يبحثون ويسألون ويقارنون، وقد يصلون إلى استنتاجات موجعة.. واللحظة التي يدرك فيها الابن أنه حرم من أبيه ظلماً قد تكون لحظة فاصلة في علاقته بأمه، لأن الشعور بالاستغلال يترك أثراً لا يمحوه الاعتذار المتأخر.. ومن هنا فإن الحكمة تقتضي أن تدار الخلافات بوعي بعيد المدى، لا بانفعال لحظي.
فالمكاسب الدنيوية زائلة، والانتقام لا يشفي جرحاً بقدر ما يوسعه، أما الأبناء فباقون، يحملون في قلوبهم صورة عن والديهم سترافقهم مدى الحياة.. والمرأة التي تختار أن تكون جسراً لأبنائها نحو علاقة سوية مع أبيهم، رغم ألمها، تكتب لنفسها صفحة بيضاء في سجل الأمومة. والتي تختار أن تكون حاجزاً بينهم وبينه، بلا مسوغ عادل، فإن جرمها في حقهم عظيم، لأنها سرقت منهم حقاً فطرياً لا يقدر بثمن، وإثمها عند الله أعظم، لأن الأمانات لا يجوز التفريط فيها، ولأن القلوب الصغيرة التي أوذيت ستشهد يوماً بما لقيت، يوم لا ينفع ندم ولا يجدي تبرير.
