إن الباطل كان زهوقا
بقلم: حسن سليم
في كل زمان تظل الحقيقة ثابتة لا تتبدل مهما طال ليل الظلم أو اشتدت عتمة الباطل. فالتاريخ يعلمنا أن الباطل قد يعلو صوته أحيانا وقد يفرض حضوره بالقوة أو بالتشويه أو بالتلاعب بالمفاهيم، لكنه في النهاية يظل هشاً لا يملك القدرة على البقاء. ولهذا جاء الوعد الإلهي الخالد واضحاً جلياً حين قال الله سبحانه وتعالى «قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا».. إنها قاعدة كونية قبل أن تكون عبارة بلاغية. فالباطل بطبيعته مؤقت، مهما تحصن بالقوانين أو احتمى بالشعارات أو اختبأ خلف دعاوى براقة.
ومن أكثر القضايا التي يظهر فيها الصراع بين الحق والباطل في مجتمعنا اليوم قضية قانون الأحوال الشخصية، ذلك القانون الذي تحول عبر سنوات طويلة إلى ساحة جدل لا ينتهي، وإلى مصدر ألم حقيقي لكثير من الآباء الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة منظومة تشريعية لا تحقق التوازن العادل الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، ولا تنصف الأسرة باعتبارها وحدة متكاملة تقوم على العدل والرحمة والتكافل.
إن الأسرة في الإسلام لم تقم على فكرة الغلبة أو الصراع بين الرجل والمرأة، بل قامت على ميزان دقيق من الحقوق والواجبات. فالأب مسؤول، والأم شريكة في البناء، والطفل أمانة في أعناق الاثنين. ولهذا جاءت التشريعات الإسلامية عبر قرون طويلة لتؤسس منظومة تحقق التوازن وتحمي الطفل وتحفظ للأسرة استقرارها. غير أن ما نراه اليوم في كثير من مواد قوانين الأحوال الشخصية يعكس صورة مختلفة تماما، صورة تبتعد عن روح الشريعة وتقترب من اجتهادات بشرية اختلط فيها الهوى بالمصلحة والضغط الاجتماعي بالحسابات السياسية.
لقد أصبح الأب في كثير من الحالات طرفا ضعيفا داخل معادلة الأسرة بعد الطلاق، رغم أنه كان في يوم من الأيام الركيزة الأساسية التي قامت عليها الأسرة. يجد نفسه محروما من أبسط حقوقه في رؤية أبنائه، أو مقيدا بإجراءات معقدة تجعل من ممارسة هذا الحق رحلة مرهقة ومؤلمة. بل إن بعض الآباء يعيشون سنوات طويلة وهم يكتفون برؤية أبنائهم لساعات معدودة في أماكن محددة وتحت ظروف غير إنسانية، وكأن العلاقة بين الأب وأبنائه تحولت إلى موعد إداري بارد لا علاقة له بالعاطفة أو التربية أو المسؤولية.
إن هذه الصورة المؤلمة ليست مجرد مشكلة فردية تخص بعض الأسر، بل هي قضية مجتمعية تمس بنية المجتمع نفسه. فالطفل الذي يُحرم من التواصل الطبيعي مع أبيه يفقد جزءا مهما من توازنه النفسي والاجتماعي. والأب الذي يشعر أنه مجرد زائر في حياة أبنائه يفقد الإحساس بدوره الحقيقي داخل الأسرة. وهكذا تتآكل الروابط العائلية شيئا فشيئا حتى تتحول الأسرة إلى كيان هش تسيطر عليه النزاعات والخصومات.
والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات التي تدافع عن هذه القوانين ترفع شعارات براقة عن حماية المرأة أو مصلحة الطفل، بينما تتجاهل عمدا أن العدالة لا يمكن أن تتحقق بظلم طرف آخر. فالعدل في الشريعة الإسلامية ليس شعارا انتقائيا يطبق حين يخدم طرفا معينا ويتجاهل حين يضر بطرف آخر. العدل قيمة مطلقة تقوم على التوازن والإنصاف، لا على الانحياز أو المزايدة.
إن الشريعة الإسلامية حين نظمت مسائل الطلاق والحضانة والنفقة لم تفعل ذلك بروح الانتقام أو العقاب، بل بروح الإصلاح والحفاظ على التوازن داخل الأسرة. وقد كان الفقهاء عبر العصور يدركون أن مصلحة الطفل لا تتحقق بإقصاء أحد والديه، بل بتوفير بيئة تسمح له بالحفاظ على علاقته الطبيعية مع الأب والأم معا. ولهذا فإن أي تشريع يقطع هذا التوازن أو يخلق قطيعة بين الأب وأبنائه لا يمكن أن يقال إنه يعبر عن روح الشريعة.
غير أن المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في المناخ الفكري الذي يسمح بتشويه المفاهيم الشرعية وتحويلها إلى أدوات لخدمة مصالح ضيقة أو أهواء شخصية. فحين يتحول النقاش حول الأسرة إلى ساحة صراع أيديولوجي، يصبح من السهل أن يتم تهميش صوت العقل والعدل، وأن يتم تقديم اجتهادات بشرية على أنها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش.
وهنا يظهر دور أولئك الذين يسيرون خلف أهوائهم دون أن يلتفتوا إلى حقيقة ما يفعلون. إنهم يظنون أنهم ينتصرون لقضية ما، بينما هم في الواقع يفتحون أبوابا واسعة لخلل اجتماعي عميق. فالقوانين التي تظلم الأب اليوم لن تحمي الأسرة غدا، بل ستزيد من تفككها وتعمق شعور الظلم داخلها.
إن العدالة لا يمكن أن تقوم على كسر أحد طرفي الأسرة. والرحمة التي يتحدث عنها البعض لا يمكن أن تتحقق بإقصاء الأب أو بتهميش دوره. فالأسرة ليست معركة ينتصر فيها طرف ويخسر الآخر، بل هي منظومة إنسانية متكاملة إذا اختل أحد عناصرها اختل البناء كله.
ولذلك فإن إصلاح قانون الأحوال الشخصية لم يعد مجرد مطلب فئوي يرفعه بعض الآباء، بل أصبح ضرورة مجتمعية لحماية الأسرة المصرية من مزيد من التصدع. فالقانون العادل هو الذي يعيد التوازن بين الحقوق والواجبات، ويضمن للطفل حقه في الأب والأم معا، ويحفظ لكل طرف مكانته ودوره دون إفراط أو تفريط.
لقد آن الأوان لأن نعيد النظر في كثير من المفاهيم التي ترسخت في الوعي العام حول هذه القضية. فالمشكلة ليست في الدفاع عن حقوق المرأة أو حقوق الرجل، بل في الدفاع عن العدالة نفسها. والعدالة لا تتحقق إلا حين ننظر إلى الأسرة كوحدة واحدة لا كساحة صراع بين طرفين.
ولعل من المفارقات المؤلمة أن بعض الذين يرفعون لواء الدفاع عن القيم الحديثة يتجاهلون أن أبسط قواعد العدالة الإنسانية تقتضي ألا يُحرم الإنسان من أبنائه. فالعلاقة بين الأب وطفله ليست امتيازا قانونيا يمكن منحه أو سحبه، بل هي رابطة فطرية عميقة لا يمكن لأي تشريع أن يلغيها دون أن يترك جرحا غائرا في روح المجتمع.
إن مصر التي حفظت عبر تاريخها توازن الأسرة وقيمها لا يمكن أن تقبل بأن يتحول قانون الأحوال الشخصية إلى أداة لخلق المظالم أو تعميق الانقسامات داخل الأسرة. فالقانون يجب أن يكون درعا للعدالة لا سيفا للانحياز، وجسرا للتوازن لا أداة للصراع.
وإذا كان الباطل قد استطاع في لحظات معينة أن يفرض حضوره عبر تشريعات غير متوازنة أو عبر ضجيج إعلامي يخلط بين الشعارات والحقائق، فإن سنة الحياة تقول إن هذا الباطل لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. فكل ظلم يحمل في داخله بذور نهايته، وكل قانون لا يقوم على العدل مصيره أن يواجه المراجعة والتصحيح.
ولهذا تبقى الآية الكريمة إن الباطل كان زهوقا رسالة أمل لكل من يؤمن بأن العدل لا بد أن ينتصر في النهاية. فمهما طال الطريق ومهما تعقدت الملفات فإن صوت الحق لا يمكن أن يختفي إلى الأبد. سيبقى هناك دائما من يطالب بالإنصاف، ومن يذكر المجتمع بأن الأسرة لا تبنى بالظلم بل بالعدل، ولا تستقر بالانحياز بل بالتوازن.
وحين يأتي اليوم الذي تعود فيه العدالة إلى ميزان قانون الأحوال الشخصية، سيدرك الجميع أن الدفاع عن حقوق الآباء لم يكن يوما حربا ضد المرأة، بل كان معركة من أجل إنقاذ الأسرة نفسها. لأن الأسرة التي يُظلم فيها الأب لا يمكن أن تكون أسرة مستقرة، والمجتمع الذي يتسامح مع هذا الظلم لا يمكن أن يظل آمنا على مستقبله.
وهكذا يظل الوعد الإلهي حاضرا في الوجدان والواقع معا. فالحق قد يتأخر ظهوره، لكنه لا يضيع. والباطل قد يبدو قويا في لحظة من اللحظات، لكنه يظل محكوما بمصيره المحتوم. إن الباطل كان زهوقا.
