أب في مهب الريح
بقلم: حسن سليم
تشرق الشمس كل يوم لتعلن عن ميلاد أمل جديد، لكنها اليوم بدت في أعين الكثيرين باهتة، كأنها خجلى من الضوء الذي سيسلط على جراحٍ لا تندمل.. فعندما يكتب القدر على الإنسان أن يكون أباً، فإنه يوقع عقداً مع التضحية، مع السهر، ومع السعي الذي لا ينتهي.. لكن ماذا يحدث حين يتحول هذا السعي إلى قيد، وتتحول تلك التضحية إلى ذريعة لمحو الوجود الإنساني للفرد؟
لقد جفت الأقلام ونحن نكتب عن التوازن المفقود، عن حق الأب في أن يرى قطعة من روحه دون أن تكون الرؤية "منة" أو "تفضلاً"، وعن حاجة الطفل لكتف والده ليتكئ عليها لا لمجرد حوالة بنكية تصله كل شهر.
واليوم عندما يقال للأب "إن تعثرت.. فليس لك مكان في خدمات هذا الوطن"، هي جملة تقع على الروح كوقع المقصلة، هي تعني ببساطة أن العجز المادي الذي قد يطرأ على أي إنسان في ظل تقلبات الزمان، لم يعد ظلاً عابراً، بل صار وصمة تمنعك من تجديد هويتك ومن استخراج ورقة تثبت أنك ما زلت على قيد الحياة.
تخيلوا رجلاً سُدت في وجهه أبواب الرزق، وبدلاً من أن تمتد إليه يد تعينه لكي "يعطي"، يتم بتر يداه لكي "لا يتحرك".. كيف للأب أن يسدد ما عليه وهو ممنوع من الخدمات التي تمكنه من العمل، من التنقل، من التنفس في فضاء المعاملات الرسمية؟ إنه الحصار الذي لا يكتفي بمنع الطعام، بل يمنع حتى هواء "الكرامة".
إن هؤلاء الآباء الذين تسود الدنيا في أعينهم اليوم، ليسوا متهربين ولا قساة القلوب.. إنهم في الغالب رجال طحنتهم رحى الحياة، رجال كانوا يظنون أن القانون هو الملاذ الذي ينصف الضعيف ويقوّم المعوج، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام جدار صلد لا يرى فيهم سوى أرقام وحسابات.. أين حق الأب في الانكسار؟ أين حقه في أن يعامل كإنسان يمر بضائقة، لا كجاني يستحق النفي المدني؟
أليس من الحزن أن يشعر الرجل الذي أفنى عمره يبني بيتاً، أنه أصبح غريباً عن هذا البيت؟ أليس من القهر أن يرى أطفاله يكبرون بعيداً عنه، بينما هو منشغل بمحاولة إثبات أنه يستحق أن يظل مواطناً كامل الأهلية؟ إن الحزن الذي يعتصر القلوب اليوم ليس سببه "المال"، بل سببه "الإقصاء".
لقد كتبنا وصرخنا، وبينا أن التوازن في قوانين الأحوال الشخصية هو الضمان الوحيد لسلامة المجتمع، فالطفل الذي يرى والده مطاردًا أو محروماً من حقوقه الأساسية، لن ينشأ سوي النفس والوطن الذي يجعل من التعثر المادي نهاية للمواطنة الخدمية للأب، إنما يقطع غصناً كان من الممكن أن يثمر لو سُقي بالرحمة بدلاً من العزل.
إن السواد الذي يلف القلوب الآن هو سواد العجز.. عجز الأب عن شرح وجعه لأبنائه، وعجزه عن الوقوف أمام مجتمع لا يرحم الضعف.. إننا نتحدث عن بشر، عن مشاعر، عن ذكريات حُكم عليها بالإعدام لأن "الرقم" لم يكتمل في الدفاتر.
يا كل أب يشعر الآن بمرارة الغصة في حلقه، لست وحدك.. إن أنين الصدور الذي يملأ البيوت الصامتة هو شهادة على زمنٍ صار فيه "الالتزام" سيفاً مسلطاً، ولم تعد فيه "المودة والرحمة" هي المعيار.. إننا نحزن لا اعتراضا على حق، بل تألماً من وسيلة تخنق الروح لتستخلص المادة.
وتبقى الكلمات قاصرة عن وصف حال من يرى هويته تتلاشى لأنه تعثر في سباق لم تكن قواعده يوماً لصالحه.. إنها مرارة لا يذوقها إلا من جرّب أن يكون "أباً" في مهب الريح، محروماً من الدفء، وممنوعاً حتى من الاحتماء بظل القانون.
