recent
عـــــــاجــــل

رسالة إلى أبي في عام رحيله العاشر

 

رسالة إلى أبي في عام رحيله العاشر

رسالة إلى أبي في عام رحيله العاشر


بقلم: د. طارق عتريس أبوحطب

أعوامٌ عشرة مرّت على رحيلك يا أبي، نزفت فيها النفس دماءها، والعيون ماءها، وتِهنا بعدك في دروب الدنيا، وذُقنا مرارة الأيام ولذعات الوحدة والحرمان، وما كان يدور بخلدي يومًا أن يغيب النجم المضيء عن المدار، أو أنني قد أعيش على أمل الانتظار، أو أن هذا الطود الشامخ يعاني قسوة الرحيل والاختصار.

عشر سنين مرّت وما زال صوتك بالدعوات في الأعماق غضًّا يداعب سمعي كل صباح، وما زالت تقاسيم وجهك وقناديل محيّاك في وجداني شاخصة كأن الغياب لم يكن، فكيف للزمن أن تمتد يده إلى هذا الجبين الحر الأبي، أو تمتد لتوقف النبض في قلبٍ يهبنا كل الحياة؟

عشر سنين يا أبي، وأنا أتعلم كيف أُحادثك في صمتي، وكيف أراك في تفاصيل الأشياء الدقيقة، وكيف أستدل عليك من نورٍ خفي يسري في قلبي كلما ضاق. كنتَ ولا أزال أراك أكثر من أبٍ يُنادى، وصديقٍ يُسامر، ورحمةٍ وحنانٍ يُعاش. كنتَ اليد التي لا تُرى حين تتعثر آمالي منهكة الخطى، والصوت الذي لا يُسمع حين تضج الدنيا من حولي، والنور الذي لا يخبو حتى وإن أطفأت الحياة مصابيحها.

علّمتنا أن الرجل ليس بما يملك، بل بما يُبقي من أثر، وأن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ صادق بلغت من القلوب ما لا تبلغه الجيوش. أتعلم؟ ما زلت أذكر تلك اللحظات الصغيرة التي لم نكن نحسب لها وزنًا، فإذا بها اليوم أثقل في نفسي من الجبال؛ جلستك الهادئة، نظرتك التي كانت تختصر العمر حكمةً ورحمة، وصمتك الذي كان أبلغ من أي عبارات تُقال.

لقد كنتَ تُربّي فينا الإنسان، وتغرس فينا الجوهر لا المظهر يا أبتِ. حين غبتَ لم تغب وحدك، بل غاب معك كل ظل كنت أتقي به مكر الأيام وغدر اللئام، وغابت سكينة كانت تغمر قلبي كلما اضطرب، لكنّي ومن عجيب أمر القلب وجدتك بعد الغياب أقرب، وكأن الفقد بابٌ إلى حضورٍ من نوعٍ فريد لا يُرى بالعين ولكن يُدرك بالبصيرة.

أمشي في دروب الحياة فأتعثر أحيانًا وأتشتت كثيرًا، فألتفت إليك في داخلي وأسألك، فأجد الجواب يتسلل إليّ في هدوء كأنك معي، وكأنك ما زلت تتم عليّ ما بدأته من تربية لم تنقطع. لقد مرّت أيام رحيلك عجلى، وأضحت قلوبنا ثكلى، فقد فقدنا البهجة مذ فقدناك، وذابت حبال الصبر، فقرأنا الأسى سُورًا، وصار يتمنا في الورى عِبرًا، وأضحى موتك حقًا وقدرًا.

يا أبي، كنت عوننا على السنين، كنت حارسنا الأمين، كنت نور البصيرة واليقين، كنت لنا دنيا ودين، كنت سندًا وعضدًا، وبك بعد الله نستعين.

يا جسد أبي، يا أيها الجسد الدفين، ما عهدناك يومًا بخيلًا ولا ضنين، فبالله عليك كيف تضن اليوم باللقاء، وكيف تركتنا للشقاء؟

يا أبي، يا من جعلتك قبلتي، أدمنت فيك صبابتي، وسكبت فيك محبتي، هل ضقت بالأرض فولّيت وجهك للسماء، أم سئمت من وجع العناء فغدوت تلتمس الصفاء؟

يا من ملكت شغاف القلب وسكنته، يا من حييت عمرك في الخفقان واحتضنته، هل تعلم أننا بعدك في الوجع؟ هل تعلم أن جرحنا بفقدك يتسع؟

يا أبي، قد كنت فينا بلسماً، فصارت حياتي بفقدك علقمًا. نم قرير العين يا أبتِ، فنبضك فينا وذكرك وبرك في الأعماق يحيينا، وروحك الطاهرة من الأيام تحمينا، نم قرير الفؤاد، فها نحن رغم الفراق ورغم البعاد نمضي على دربك، ينبض فينا قلبك، ويحفظنا بدعائك ربك.

يا أبتِ، حدّثنا عن الجنة وكيف وجدتها، إليك مشتاقة وإلى سكناك فيها تواقة.

يا أبي، يا أيها القلب الحبيب، سيجمعنا لقاء قريب، نسكن إلى جوارك ونأنس في مدارك. أعلم أنك تشتاق إلينا أكثر من اشتياقنا إليك، فإلى ذلك اللقاء نم في هناء.

كنت أنتظر عودتك وأترقب أوبتك، يسألني عنك بيتنا، ويسبقنا إليك شوقنا، لكنك لم تعد. فهل يرضيك أن آتي إليك يا أبت؟

لقد كبرت يا أبي، ولكن شيئًا في داخلي ما زال صغيرًا عندك، يحن إلى يدك ويشتاق إلى كلمة منك تعيد ترتيب العالم في عينيه. كبرتُ وعرفت من قسوة الحياة ما كنتَ تدفعه عني دون أن أشعر، فعلمت أن حبك لم يكن عاطفة فحسب، بل كان حصنًا منيعًا وسورًا من رحمة لا يُرى.

أحبك، وكيف لا وأنت الشمس التي تنير سمائي، والحكيم الذي يسهل الدرب أمامي، وأنت القلب النابض في صدري والفكر الدائم في ذهني وابتسامة حياتي وقدوتي.

أحبك، وكيف لا وقد غرست الحب والأمل في قلبي منذ سنين، وخلعت الحقد واليأس لتغرس فينا الحنين.

أحبك، وكيف لا وقد كرست حياتك لنا، وبذلت ما بوسعك سنة تلو سنة لترانا اليوم أمامك وقد كبرنا وصِرنا رجالاً، ولكن… ها هو اليوم قد حان وغبت أنت.

فنم واهنأ واسترح، فلن أبكيك كما يبكي الناس موتاهم، بل أكتبك كما يكتب الضوء في العيون، وأحملك في قلبي حياةً لا ذكريات، فإن كان الموت قد أخذ جسدك، فقد ترك لي روحك بها أعيش وأهتدي.

وإني لأرجو بعد طول الغياب أن يجمعني الله بك في مقامٍ لا فراق بعده، فأقول لك حينها: يا أبي، لقد حاولت أن أكون كما أردتَ لي، فإن قصّرت فحسب قلبي أنه ما ودعك ولا قلاك ولا نسيك ولا سلاك.

فسلام عليك في الغياب كما كنت سلامًا في الحضور، وسلام على قلبٍ ما زال ينبض بأمل وذكرى، وإلى لقاءٍ قريب يا أبي…


google-playkhamsatmostaqltradent