recent
عـــــــاجــــل

المواطن في أمس الحاجة للمحليات.. ولكن!

المواطن في أمس الحاجة للمحليات.. ولكن!

 

المواطن في أمس الحاجة للمحليات.. ولكن!


بقلم: المستشار طلعت الفاوى

لم يعد الحديث عن تفعيل منظومة المحليات في مصر مجرد طرح نظري أو مطلب مؤجل، بل أصبح ضرورة واقعية تفرضها احتياجات المواطنين اليومية، خاصة في ظل ما تمثله الإدارة المحلية من خط الدفاع الأول في التعامل مع القضايا الحياتية المباشرة. فالمواطن اليوم يتطلع إلى خدمات أكثر كفاءة وسرعة، ويرى في المحليات البوابة الأقرب لتحقيق ذلك، باعتبارها الجهة الأكثر التصاقًا بتفاصيل حياته اليومية.


ولا يختلف اثنان على أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة إحياء دور المحليات بصورة تواكب تطلعات المجتمع، وتسهم في تخفيف الأعباء عن كاهل محدودي الدخل، من خلال تحسين مستوى الخدمات الأساسية وتطوير آليات تقديمها. فالمحليات ليست مجرد جهاز إداري تقليدي، بل تمثل أحد أهم أدوات التخطيط والتنفيذ على المستوى القاعدي، حيث تتقاطع مهامها مع مختلف احتياجات المواطنين، من مرافق وبنية تحتية وخدمات عامة.

ومن هنا تبرز أهمية الإسراع في استكمال الإطار التشريعي المنظم لهذا الملف الحيوي، عبر إصدار قانون عصري يعكس متغيرات الواقع ويستجيب لطموحات المواطن في المرحلة المقبلة. فالقانون المنشود لا يجب أن يكون مجرد تحديث شكلي، بل ينبغي أن يحمل رؤية متكاملة تعيد صياغة دور المحليات، وتمنحها القدرة على الأداء بكفاءة ومرونة، مع ضمان وجود أدوات فعالة للمتابعة والتقييم.


إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار قانون جديد، بل في صياغة تشريع قادر على إحداث نقلة نوعية في منظومة العمل المحلي، من خلال تمكين المجالس الشعبية المنتخبة من أداء دورها الرقابي والتنفيذي بشكل متوازن، بما يعزز الشفافية ويرسخ مبادئ المساءلة الإيجابية، ويضمن حسن إدارة الموارد وتحقيق الاستفادة القصوى منها.


كما أن منح المجالس المحلية صلاحيات واضحة ومؤثرة من شأنه أن يسهم في تحسين جودة الأداء التنفيذي، حيث تصبح هذه المجالس قادرة على المتابعة الدقيقة، وطرح التساؤلات، وتقديم الرؤى والمقترحات التي تنبع من احتكاك مباشر مع الشارع. وهو ما ينعكس بدوره على تطوير الخطط المحلية، سواء في القرى أو المدن، بما يتماشى مع احتياجات كل منطقة وظروفها الخاصة.


ولا يمكن إغفال البعد السياسي لهذه المنظومة، فالمحليات تمثل المدرسة الأولى لإعداد وتأهيل الكوادر السياسية، ومن خلالها تتشكل خبرات القيادات المستقبلية التي تتعامل مع العمل العام من منطلق عملي وواقعي. كما أن إجراء الانتخابات المحلية يسهم في تنشيط الحياة الحزبية، ويوسع من قاعدة المشاركة الشعبية، ويخلق حالة من الحراك المجتمعي البناء.


لقد كان ملف المحليات حاضرًا بقوة على طاولة الحوار الوطني، حيث حظي باهتمام واسع، وشهد مناقشات معمقة تناولت مختلف النماذج الانتخابية المطروحة، سواء القائمة المغلقة أو النسبية أو النظام الفردي أو المزج بينها. وجاء هذا النقاش انطلاقًا من الحرص على الوصول إلى صيغة توافقية تحقق التوازن بين التمثيل العادل والكفاءة العملية، مع الالتزام بالضوابط الدستورية.


وفي نهاية المطاف، يبقى الهدف الأساسي هو الوصول إلى قانون متكامل ومرن يحظى بقبول واسع، ويعبر عن احتياجات المواطن البسيط، ويمنح المحليات القدرة على أداء دورها الحقيقي كأحد أعمدة الإدارة الرشيدة. فنجاح هذه التجربة لا يرتبط بالنصوص وحدها، بل بمدى قدرتها على التطبيق الفعلي على أرض الواقع، وبما يحقق التنمية المستدامة ويعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.


google-playkhamsatmostaqltradent