recent
عـــــــاجــــل

المكتسبات المزعومة في قانون الأسرة معادلة مختلة وخسائر للجميع

 

المكتسبات المزعومة في قانون الأسرة معادلة مختلة وخسائر للجميع

المكتسبات المزعومة في قانون الأسرة معادلة مختلة وخسائر للجميع


بقلم: حسن سليم

 الحديث عن تعديلات قانون الأسرة في مصر منذ عام 2000 لم يعد مجرد نقاش قانوني بين متخصصين، بل تحول إلى قضية مجتمع كامل يدفع ثمنها يوميًا، في البيوت والمحاكم وأقسام الشرطة.. وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا، جرى تسويق هذه التعديلات باعتبارها «مكتسبات» للمرأة، لكن الواقع العملي يكشف أن هذه المكتسبات، في صورتها الحالية، لم تنصف الأسرة، بل أفرزت حالة من الخلل العميق، كان الأب والأطفال أبرز ضحاياها.


المشكلة لا تكمن في منح المرأة حقوقًا، فهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، لكن الأزمة بدأت حين تحولت القوانين من أداة لتحقيق التوازن داخل الأسرة إلى وسيلة ضغط تميل بكفتها لصالح طرف على حساب الآخر.. ومع مرور الوقت، لم يعد الأب مجرد طرف في نزاع أسري، بل أصبح في كثير من الحالات محاصرًا بسلسلة من الإجراءات والقضايا التي تستنزف عمره وموارده وتضعه تحت تهديد دائم.


في الواقع العملي، قد يجد الأب نفسه أمام عشرات القضايا المتداخلة، تتعلق بالنفقة وأجر المسكن وأجر الحضانة وقائمة المنقولات وغيرها، في مشهد أقرب إلى «دوامة قانونية» لا تنتهي.. هذه القضايا، التي قد يتجاوز عددها الثلاثين في بعض الحالات، لا تترك مساحة للاستقرار أو التقاط الأنفاس، بل تدفعه إلى حالة من الضغط النفسي والاقتصادي المستمر، قد تصل في نهايتها إلى الحبس.


وقضية الحبس في النفقات تمثل واحدة من أكثر النقاط إيلامًا في هذه المنظومة، صحيح أن النفقة حق واجب، لكن ربطها مباشرة بالحبس، دون النظر إلى قدرة الأب الفعلية أو ظروفه، خلق واقعًا قاسيًا، حيث قد يسجن الرجل بسبب عجزه، لا امتناعه.. وهنا يتحول القانون من وسيلة لضمان الحقوق إلى أداة عقاب، تفتح الباب لمزيد من الأزمات بدلًا من حلها.


أما على صعيد الحياة اليومية، فإن أزمة التمكين من مسكن الزوجية تضيف بعدًا آخر من المعاناة، حيث يجبر الأب في كثير من الأحيان على مغادرة مسكنه، بينما تستمر عليه الالتزامات المالية المرتبطة به.. هذا التناقض بين فقدان السيطرة على المسكن والاستمرار في تحمل نفقاته يعمق الشعور بالظلم، ويجعل من العلاقة بعد الانفصال ساحة صراع مفتوحة.


لكن يبقى الملف الأكثر حساسية هو ملف الأطفال، حيث تتجلى الأزمة في أقسى صورها، فالنظام الحالي للرؤية، الذي يمنح الأب بضع ساعات أسبوعيًا في أماكن عامة، لا يمكن اعتباره علاقة طبيعية بين أب وأبنائه، هذه الساعات المحدودة في أندية أو مراكز شباب، لا تبني علاقة، ولا تعوض غيابًا، بل تخلق فجوة نفسية تتسع مع الوقت.


الأب في هذه الحالة لا يعيش أبوة حقيقية، بل يكتفي بدور الزائر، أما الطفل فينشأ وهو يفتقد أحد أهم أركان التوازن في حياته.. والأخطر أن بعض الحالات تشهد تعنتًا في تنفيذ الرؤية، أو استخدامها كورقة ضغط، ما يحول الأمر إلى حرمان فعلي، وليس مجرد تقليص للوقت.


من هنا، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بمصطلح «الرؤية»، الذي أثبت فشله في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الإنسانية.. والبديل المنطقي والضروري هو نظام «الاستضافة»، الذي يمنح الأب حق قضاء وقت حقيقي مع أبنائه داخل بيئة طبيعية، تتيح له المشاركة في تربيتهم، لا مجرد رؤيتهم من بعيد.


الاستضافة ليست امتيازًا للأب، بل حق للطفل قبل أي شيء، هي وسيلة لإعادة التوازن، وإعطاء الأبناء فرصة للعيش بين والديهم بشكل متكامل، حتى في حالة الانفصال. فالعلاقة الأسرية يجب ألا تختزل في ساعات محدودة، بل يجب أن تبقى ممتدة وقادرة على أداء دورها في بناء شخصية الطفل.


أما مسألة سن الحضانة، فهي الأخرى بحاجة إلى مراجعة جادة، تضمن مشاركة حقيقية للأب، بدلًا من إقصائه لسنوات طويلة.. تقسيم سنوات الحضانة، أو تطبيق نظام أكثر توازنًا، لم يعد رفاهية، بل ضرورة تفرضها مصلحة الأطفال، الذين يحتاجون إلى الأب بقدر احتياجهم إلى الأم.


اللافت أن بعض الجهات ما زالت تتعامل مع هذه القوانين باعتبارها «خطًا أحمر»، تحت شعار الحفاظ على مكتسبات المرأة، دون النظر إلى النتائج الفعلية على الأرض. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي قانون يؤدي إلى تفكيك الأسرة، أو خلق صراع دائم، أو حرمان الأطفال من أحد والديهم، لا يمكن وصفه بالمكتسب، مهما كانت نواياه.


المكتسب الحقيقي هو ما يحافظ على كيان الأسرة، أو على الأقل يقلل من خسائرها عند الانفصال، أما ما يحدث الآن، في كثير من الحالات، فهو العكس تمامًا، حيث تتحول العلاقة إلى معركة قانونية طويلة، يدفع ثمنها الجميع، دون استثناء.


إن إعادة النظر في قانون الأسرة لم تعد خيارًا، بل ضرورة مجتمعية، والمطلوب ليس إلغاء حقوق طرف، بل إعادة صياغة منظومة تحقق التوازن، وتحمي الأطفال، وتمنح كل طرف حقه دون إفراط أو تفريط.


فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل معركة للحفاظ على ما تبقى من تماسك الأسرة المصرية، وإذا استمر التعامل مع ما يسمى بالمكتسبات دون مراجعة، فإننا لا نحافظ على حقوق، بل نرسخ واقعًا من التفكك، ستكون كلفته أكبر بكثير مما نتصور.


google-playkhamsatmostaqltradent