مجدى طنطاوى يكتب: حين تفسد السياسة يضطرب التدين
لم تكن أزمات المسلمين عبر التاريخ نابعة من الدين ذاته بقدر ما كانت ثمرة لسوء السياسة وانحراف العمل السياسي عن قيم العدل والرحمة والشورى
فكلما فسدت السياسة اضطرب فهم الدين وتحول من رسالة هداية الى وسيلة صراع او اداة فى أيدى السياسيين
لقد جاء الاسلام ليحرر الانسان من عبودية البشر ويقيم مجتمعا يقوم على الحق والعدل والرحمة لكن كثيرا من السياسيين عبر العصور خلطوا بين قدسية الدين ومصالحهم فتم توظيف الفقه احيانا لخدمة النفوذ وتبرير الظلم حتى اصبح الناس يخلطون بين اخطاء السياسة واحكام الدين
ومن هنا بدأ سوء التدين يظهر فى صور متعددة
غلو وتشدد
تكفير واقصاء
تعصب وانقسام
وخوف من التفكير والاجتهاد
فحين تغيب الحرية يخاف العقل
وحين يسود الظلم تنتشر الكراهية
وحين تتحول السياسة الى صراع على المصالح يصبح الدين سلاحا فى ايدى المتنافسين لا نورا لهداية الناس
لقد قادت الصراعات السياسية منذ الفتنة الكبرى الى انقسامات عميقة فى جسد الامة ثم توالت العصور التى تم فيها صناعة تدين شكلى يهتم بالمظاهر اكثر من القيم ويشغل الناس بالخلافات بينما تتراجع معانى الرحمة والعدل والعمل والعلم
ولم يكن عامة المسلمين فى كثير من الاحيان سوى ضحايا لهذا التوظيف السياسى للدين حيث تم ربط الطاعة لله بالخضوع للاوضاع السياسية القائمة وربط المعارضة بالخروج على الدين حتى فقدت الامة قدرتها على النقد والمراجعة والتجديد
ان اخطر ما يصيب الدين ان يتحول الى اداة سياسية
واخطر ما يصيب السياسة ان ترتدى ثوب القداسة
فالدين رسالة اخلاق وهداية
اما السياسة فهى اجتهاد بشرى يصيب ويخطئ
وحين يختلط المجالان دون ضوابط تضيع الحقيقة بين قداسة النص ومصالح السياسيين
ان نهضة المسلمين لن تتحقق الا بعودة الوعى الذى يفرق بين الدين الالهى الكامل وبين التجارب السياسية البشرية القابلة للخطأ
وبإحياء قيم القرآن فى العدل والرحمة وحرية الاختيار واحترام الانسان
فالدين لا يفسده الا سوء السياسة
ولا يشوهه الا الجهل والتعصب
ولا ينقذه الا اهل الحكمة والحق عرض أقل
