recent
عـــــــاجــــل

شماعة الأعذار

 

شماعة الأعذار

شماعة الأعذار


بقلم: د. سعيد المنزلاوي

النجاح هدف كل إنسان، وبغية كل قاصد، والغاية من وراء كل سعي والنجاح ليس قاصرًا على النجاح الدراسي، وفقط، فكل إنجاز تحققه في أي أمر، هو نجاح. وكل هدف تصل إليه بعد طول سعي، هو نجاح. وكل عمل تنجزه بعد جهد ودأب وصبر هو نجاح.

ولكن ليس كل إنسان يستطيع تحقيق كل ما تطمح إليه نفسه، وما يصبو إليه. فهناك من يتوقف عند مجرد الحُلم، وهناك من يكتفي برسم الأهداف العامة، وقد يتقدم البعض، فيحدد الخطوات والمسارات، وتتحدد لديه معالم الطريق وملامحه، ولكنه يقبع خانعًا عاجزًا، دون أن يتقدم بعد ذلك خطوة واحدة. ذلك أن ثالوث الفشل، أو ما يُسمى بشماعة الأعذار، هي ما تحول بينه وبين التقدم، وتقف حجرة عثرة في سبيل إنجازه، وتحول بينه وبين استكمال ما بدأه، أو السعي فيما أراده وقصده.

إن هذا الثالوث المثبط لكل عزيمة وإرادة، هو التسويف والتردد والخجل. يحملك الأول على المماطلة والتأجيل ومن ثم التراجع أو التأخير، فيفوتك الوقت، وينفلت من بين يديك دون أن تشعر، أو يداهمك الأمر، ولكن الوقت المتبقي لا يكفي للإنجاز ولا للتفوق والامتياز، كذلك الطالب الكسول، الذي لا يستذكر دروسه إلا ليلة الامتحان، فلا شك أنه والفشل قرينان.

والتردد، يجعلك تقف مكتوف الأيدي، بالرغم من توافر كل الإمكانات، من وقت وطاقة وأدوات وخامات، وغيرها، مما تحتاج إليه في تنفيذ ما هو مطلوب منك، أو ما تسعى إليه. غير أن ضعف ثقتك في نفسك، وقدراتك، يحول بينك وبين اتخاذ الخطوة الأولى، وبالتالي يبقى الأمر محض فكرة افتراضية، لم تجد من يجليها، أو يزيل ما علق بها من صدأ من طول التردد غير المبرر. فكم حرمنا التردد من إنجازات جد خطيرة، كان من الممكن أن تقلب أحوالنا رأسًا على عقب، وتغير خارطة البشرية. ولكنها أفكار ضاعت سدى، وطاقات مهدرة، ذهبت طي النسيان. ذلك أن أصحابها كان أضعف من اتخاذ قرار الخطوة الأولى، وأعجز عن البدء والتنفيذ.

وأما الخجل، أو العجز عن المواجهة، أو الاندماج في الآخرين، أو المجاهرة بالأفكار الصادمة ـ من وجهة نظره ـ أو الحداثية، أو الخوف من تسفيه الآخرين لمنجزهم، أوالتهوين من شأنهم، أو بخس بضاعتهم، كل ذلك كان سببًا في وأد كثير من المواهب الحقيقية، ودفن كثير من الطاقات الإبداعية، ولا هي تزال حية بيننا. ما جعلنا نحرم من آلاف كنجيب محفوظ أو أحمد زويل أو فاروق الباز وغيرهم من المبدعين والمفكرين والمخترعين والنابغين.

ولعلك تسأل عن المخرج، وهل ثمة حل لذلك الخلل الخطير الذي يعتري الكثيرين منا، أو يصيب البعض في مراحل من عمره، مما يثبط من عزيمتنا ويوهن من مقدرتنا، ويهدر طاقاتنا. والجواب في أكثر الكلمات اختصارًا، نعم، وذلك في "التخلي".

تخلَّ عن التسويف، عن التردد، عن الخجل. وابدأ ليس من باكر، أو من أول الشهر أو أول العام، ولكن ابدأ من الآن، ولا تسوف. اخطُ خطوتك الأولى، ولا تعبأ بنظرات الآخرين وتثبيطهم لهمتك، وتسفيههم لفكرتك، وتقزيمهم لمنجزك، فإنك لا تزال في أول الطريق، ومن الطبعي أن تتعثر، أن تسقط، أن تعترضك العقبات، ولكن لابد وأن تنهض، أن تلملم شتات نفسك، أن تستعيد قوتك وصبرك وجلدك، أن تشحذ عزيمتك وصبرك. أن تمضي في مسيرك بإرادة وعزيمة لا تفتر ولا تضعف ولا تعرف الكلل أو الملل. وعندما تصل، ستجد الأيدي التي كان تعوقك عن العمل، هي التي تصفق لك، وأن من كان يقلل من شأنك، هو من يفتخر بك، ومن كان يسفه أحلامك، هو هو من يجليها ويبرزها. وإذا نظرت خلفك وجدت البون شاسعًا بين أول المسير وآخره، في رحلة بدأت بالتعب والعناء والإصرار، ثم توجت بالنجاح والتقدم والابتكار.

فابدأ، ودع النتائج تتحدث عنك، تخبر عن قصة سعيك الدءوب، وإرادتك القوية. وإياك أن تتوقف أو تتراجع، إذا داهمك الظلام، وحاربك الأنام، وجارت عليك الأيام، فترجع من رحلتك القصيرة بخفي حنين. فطريق النجاح ليس مفروشًا بالورود، وليس معبدًا للسائرين، فما أكثر العقبات فيه والصعوبات، ولكن ثمرة النجاح حلوة المذاق، يهون في سبيلها كل من نقدمه من جهد وعرق وسهر، وما نبذله من وقت ومال.


google-playkhamsatmostaqltradent