نوادي الأدب ودورها في تنمية المواهب
بقلم: د. طارق عتريس أبوحطب
رئيس نادي أدب دسوق
الكلمة قد تكون قبسا لبهداية أو جذوة مستعرة للتهلكة والحرف إما دحفزا للنجاح أو معولا للهزيمة والكلمة المبدعة بعض من زخرف القول وشعاع من وهج البيان الذي يري الظلماء كالنور وفي لحظةٍ ما من عمر الكلمة تحتاج الروح إلى مأوى ويسعى الحرف إلى من يستثيره ليوقظه من سباته ويأخذ بمقوده ليخرج من عزلته إلى فضاء التكوين والخلق والمشاركة هنا تأتي الحاجة إلى من يرعى الموهبة ويتععد الحرف ويصقل التجربة الإنسانية في إطار من الجدية والالتزام المشوب بالألق والدعم والتحفيز ومن هنا نثمن غاليا دور الدولة ممثلة في وزارة الثقافةوالهيئة العامة لقصور الثقافة التي سارعت بفتح وتهيئة أندية الأدب داخل قصور الثقافة حتى يلجأ القاصدون إلى نوادي الأدب لا بوصفها مجرد تجمعات عابرة داخل قصور الثقافة بل باعتبارها رياضا للإبداع ومساقي للمواهب ومغارس للفنون وبيوتًا للفكر وأفضية رحبة تمتزج فيها الأصوات الوليدة مع التجارب الناضجة في بوتقة مزاجها الرقي الإنساني و حوارٍ لا ينقطع بين البدايات والآفاق اللانهائية ومن خلال تجربتي الشخصية التي تتجاوز الثلاثين عاما داخل نوادي الأدب جتى اليوم وأنا رئيس لنادي أدب دسوق لا يمكن أن ننكر حقيقة إن نوادي الأدب في جوهرها ليست محض مؤسسة بيروقراطية أو ميدانا لنشاط ثقافي تقليدي بل هي محاضن وأفئدة لفعل إنساني عميق يقوم على فكرة الإيمان بقدرة الكلمة على تجميل الواقع و تغيير الإنسان وتهذيب الخلق وتربية الضمير وأن الموهبة إن تُركت دون اعتناء ورعاية ذوت وانزوت واجتثت من أصولها وإن تعهدناها بالرعاية والصقل أينعت وأثمرت وآتت أكلها كل حين و تتجلى أهمية نوادي الأدب في كونها الجسر الذي يعبر عليه المبدعون من طور الخفاء إلى فضاء الظهور للنور فأول ما تقدمه نوادي الأدب للمواهب الناشئة هو غرس وتربية الشعور بالانتماء فالمبدع في بداياته غالبًا ما يشعر بالغربة فيفطر في رهبة و يكتب في صمت ويتردد في عرض ما يكتب، خوفًا من النقد أو سوء فهم أو فشل لكنه حين يجد نفسه بين أقران يشبهونه شغفًا وأملا ويشاركونه الرغبة ويشاطرونه القلق ذاته تنكسر حواجز الخوف والرهبة والإحساس بالعزلة ويبدأ الصوت في التشكل والموبة تنمو ويصير هذا الانتماء ليس مجرد شعور نفسي بالراحة أو التكيف فقط بل هو بيئة حاضنة تتيح للمبدع أن ينمو بثقة وأن يخطئ دون أن يلام أو يُدان وأن يتعلم دون أن يحبط أو يعنف أو يساء إليه وإلى تجربته ثم تأتي التغذية الراجعة بوصفها حجر الزاوية في صقل الموهبة فداخل أروقة نوادي الأدب الهادقة المثمرة لا نجتمع لنسمع أصواتنا أو نترنم بأسمائنا في ظل غيوم النفاق والسخرية والوقت المهدر كلا لا فإن النصوص لا تُقرأ لمجرد الاستماع بل تُناقش وتُحلل وتُفكك بنيتها الفنية واللغوية وتنثر وتنشر صورها وتستفهم دلالتها فيتعلم الشاعر أو القاص أن نصه ليس مقدسًاأو عصيا علىالنقد والجرح والتعديل وأنه قابل للتطوير والتحسين والتطويع فيتعلم كيف ينظر إلى عمله بعين الناقد الرقيب لا بعين العاطفة فقط فيدرك مواطن القوة والضعف والقدح والجمال ويعيد بناء تجربته على أسس أكثر صلابة وفهما ونضوجا وعمقا
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه نوادي الأدب في توسيع المدارك الثقافية والفكرية والإبداعية للمواهب فالمبدع لا يعيش منعزلا متوحدا بالفراغ بل يتشكل وعيه من خلال قراءاته واتصاله بالآخرين في الندوات والأمسيات جيث يتعرف الأعضاء إلى مدارس ورؤى أدبية مختلفة وتيارات فكرية متعددة ونماذج من الأدب القديم والحديث فلا ريب أن هذا التنوع يفتح أمامهم آفاقًا رحبة جديدة ويمنحهم القدرة أصدق على التجربة ويحررهم من أسر النمط الواحد والتقليد المفرط ومن وظائف نوادي الأدب أيضًا أنها متى صدقت النوايا تمثل منصة للعرض والتجريب فكم من موهبة ظلت حبيسة الدفاتر والأدراج حتى وجدت في هذه النوادي فرصة لإلقاء نصوصها أمام جمهور حي واع يقظ في لحظة مواجهة فارقة تصنع الكثير؛ فهي تكسب المبدع الجرأة وتعلمه كيفية التواصل المؤثر مع المتلقي وتمنحه إحساسًا حقيقيًا بقيمة ما يكتب كما أنها تضعه في اختبار مباشر مع الذائقة العامة فيتعلم كيف يوازن بين صدقه الفني وقدرته على التأثير فيكون هو مرآة نقدية ذلتية وتتجاوز أدوار نوادي الأدب حدود الرعاية الفردية إلى بناء حركة أدبية محلية فهي تخلق حالة من الحراك الثقافي داخل المجتمع، وتعيد للكلمة حضورها في الحياة اليومية من خلال الفعاليات المستمرة والأنشطة المتنوعة تسهم هذه النوادي في نشر الوعي الأدبي والفني والمهاري واافكري وتوسيع دائرة الاهتمام بالقراءة والكتابة والثقافة العامة وهكذا لا يقتصر أثرها على أعضائها بل يمتد إلى الجمهور الأوسع فيغدو الأدب جزءًا من نسيج الحياة لا ترفًا معزولًا بل ورد يومي
ولعل من الجوانب المهمة أيضا دور نوادي الأدب في اكتشاف المواهب الكامنة والتمقيب عن الكنوز للمبدعة الخفية والكشف عنها وإطلاق سراح المواهب الكامنة لتنطلق لعوالمها المضيئة فكم من مواهب لم تكن تدرك ما لديها من طاقات إبداعية، حتى وجدت من يدعمها ويشجعها على المحاولة الأولى وقد تبدأ الحكاية بخاطرة بسيطة أو نص مضطرب لكنها مع الدعم والمتابعة والمران والخبرة والدربة والمراس تتحول إلى تجربة ناضجة ثرية هنا يظهر المعنى الحقيقي للرعاية الثقافية أن ترى الإمكان قبل أن يتجلى وأن تؤمن بالبذرة قبل أن تصير شجرة وأن تتوقع نجاح التجربة قبل ميلادها ولا ينبغي أن نغفل ما تسهم به نوادي الأدب في تهذيب الذائقة اللغوية والبلاغية والحس النثدي فالممارسة المستمرة والاستماع بإصغاء واهتمام إلى نصوص متنوعة والنقاش حول اللغة والأسلوب كلها عوامل تساعد الموهوب على الارتقاء بلغته وتنقيتها وتجنب الركاكة والاقتراب من التعبير الدقيق الأنيق وبمرور الوقت تتشكل لدى الأعضاء حساسية لغوية تجعلهم أكثر وعيًا بالكلمة وأكثر حرصًا على نقائها وجمالها متى كانت لديه الرغبة الدافعة للتميز والإبداع وإلا كما دخل خرج ورجع بخفي حنين ولنوادي الأدب دورها المهم في تواصل الأجيال الأدبية فوجود كتاب ذوي خبرة إلى جانب الناشئة والبراعم المبتدئين يخلق حالة من التفاعل المثمر. ينقل الكبار تجاربهم ويقدمون النصح بصدق ويختصرون على الناشئين دروبا وعرة طويلة من المحاولات العشوائية وفي المقابل، يضخ الشباب دماءً جديدة في الحركة الأدبية بأفكارهم الجريئة ورؤاهم المتجددة وهذا التلاقي بين الخبرة والحداثة هو ما يمنح الأدب حيويته واستمراريته وبريقه
غير أن نجاح نوادي الأدب في أداء هذا الدور مرهون بعدة عوامل، لعل أبرزها الإدارة الواعية التي تدرك أن الموهبة لا تُقاد بالأوامر والخلاف والانقسام
بل تُرعى بالحوار والاحترام والنزاهة والترفع عن دنايا النقس كما يتطلب الأمر وجود برامج واضحة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي وتوفر فرصًا حقيقية للتعلم والممارسة
ولا يقل عن ذلك أهمية توفير مناخ من الحرية يسمح بالتعبير دون خوف أو ترقب ويشجع على الاختلاف بوصفه مصدر ثراء لا سبب صراع وترصد وكذلك النقد ينبغي أن يضطلع به أهل الفن من الاكاديميين المتخصصين ارتقاء، بالفن والذوق وفي زمن التحولات الرقمية تواجه نوادي الأدب تحديًا جديدًا يتمثل في مواكبة الوسائط الحديثة فلم يعد الأدب حبيس الورق أو المنصات التقليدية أو رهين السطور والصدور بل صار ممتدا إلى الفضاء الإلكتروني حيث تتشكل مجتمعات ومنتديات أدبية جديدة وهنا يمكن لنوادي الأدب أن توسع حضورها عبر المنصات الرقمية فتقيم أمسيات افتراضية وتنشر نتاج أعضائها وتصل إلى جمهور أوسع وعالم أرحب بهذا التفاعل بين الواقعي والافتراضي تظل نوادي الأدب قادرة على أداء دورها في عصر متغير سريع الومضات والنبضات
ومع كل ما تقدمه نوادي الأدب، يبقى العنصر الحاسم هو إرادة المبدع نفسه. فالنادي يفتح الأبواب ويهيئ المناخ لكل قاصد لكن السير في الطريق يحتاج إلى جهد شخصي وقراءة مستمرة ووعي عميق وفهم دقيق وتجريب لا يمل لأن الموهبة التي لا تعمل على نفسها تظل في حدود الإمكان أما التي تصبر وتثابر فإنها تجد في هذه النوادي خير معين على التحول من الهواية إلى الاحتراف
وختاما يمكننا القول إن نوادي الأدب ليست مجرد نشاط ثقافي بل هي ضرورة حضارية ففي ظل عالم يزداد صخبًا وتسارعًا تظل الكلمة ملاذًا للإنسان وتبقى الحاجة إلى منابر تحتضنها وتوجهها حاجة ملحة. ومن خلال دورها في اكتشاف المواهب وصقلها وتوفير بيئة داعمة لها لتسهم نوادي الأدب في بناء جيل قادر على التعبير عن ذاته وعن مجتمعه وآلام أمته وآمالها بلغة واعية وراقية
هكذا حين نجلس في أمسية أدبية بسيطة، ونستمع إلى صوت شاب يلقي نصه الأول قد لا ندرك أننا نشهد بداية لحكاية طويلة حكاية مبدع يجد طريقه وكلمة تشق سبيلها إلى النور وفي هذه اللحظات تحديدًا يتجلى المعنى العميق والقيمة الحقيقية لنوادي الأدب أن تكون مكانًا تبدأ فيه الأشياء الصغيرة لتصير يومًا ما كبيرة تحقق الرؤية والهدف والرسالة وتعيد رسم طريقق معبد لمستقبل أغزر إبداعا.
