recent
عـــــــاجــــل

رفع الحد الأدنى للمعاشات لضمان حياة كريمة

 

رفع الحد الأدنى للمعاشات لضمان حياة كريمة

رفع الحد الأدنى للمعاشات لضمان حياة كريمة


بقلم: المستشار طلعت الفاوي

في الوقت الذي تمضي فيه الدولة المصرية بخطوات واسعة نحو تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الحياة للمواطنين، يظل ملف أصحاب المعاشات واحدًا من أكثر الملفات التي تستحق التوقف أمامها بجدية واهتمام، ليس فقط باعتباره قضية اقتصادية، وإنما باعتباره قضية إنسانية ترتبط بكرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.

وخلال السنوات الأخيرة، أثبتت القيادة السياسية حرصها الواضح على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا عبر مبادرات ومشروعات قومية كبرى، كان أبرزها مبادرة حياة كريمة التي تحولت إلى مشروع تنموي شامل امتد أثره إلى القرى والنجوع في مختلف المحافظات، ونجحت في إعادة الأمل لآلاف الأسر البسيطة من خلال تطوير الخدمات الأساسية وتحسين مستوى المعيشة.

لكن على الجانب الآخر، يبقى السؤال الأهم: هل ما يحصل عليه أصحاب المعاشات اليوم يكفي بالفعل لتوفير حياة كريمة لهم؟

الإجابة تبدو واضحة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة متسارعة، حيث أصبح الحد الأدنى للمعاش، الذي يبلغ 1755 جنيهًا، غير قادر على تلبية الاحتياجات الأساسية لكبار السن، خاصة مع زيادة أسعار الدواء والغذاء والخدمات، فضلًا عن الأعباء اليومية من إيجارات وفواتير ومصاريف معيشية لا تتوقف.

والواقع أن كثيرًا من أصحاب المعاشات يجدون أنفسهم في مواجهة معاناة يومية حقيقية، بعدما أصبحت قيمة المعاش لا تكفي أحيانًا لتغطية تكلفة علاج الأمراض المزمنة التي تصاحب مرحلة التقدم في العمر، وهو ما يضع هذه الفئة أمام تحديات قاسية تستوجب تدخلاً عاجلًا يضمن لهم الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي والمعيشي.

ومن هنا، فإن المطالبة برفع الحد الأدنى للمعاشات لم تعد رفاهية أو مطلبًا ثانويًا، بل أصبحت ضرورة اجتماعية ملحة تتماشى مع سياسة الدولة في دعم الفئات الأولى بالرعاية، خاصة أن الحد الأدنى للأجور شهد زيادات متتالية خلال السنوات الماضية، بينما لم تنعكس تلك الزيادات بالشكل الكافي على أصحاب المعاشات.

كما أن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر بصورة شاملة في قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، بحيث تتضمن التعديلات حزمة متكاملة من الإجراءات التي تضمن تحسين أوضاع أصحاب المعاشات وتوفير مزايا حقيقية لهم، سواء على المستوى المادي أو الخدمي.

ولا يقتصر الأمر على زيادة المعاشات فقط، بل يمتد إلى أهمية توفير حزمة حماية اجتماعية متكاملة تشمل إعفاء أصحاب المعاشات من رسوم استخراج المستندات الرسمية، وتقديم خدمات علاجية مجانية، ومنحهم تسهيلات في وسائل النقل والمواصلات، إلى جانب توفير حلول عادلة وآمنة في ملف السكن، خاصة مع المتغيرات المرتبطة بقانون الإيجار القديم.

وفي المقابل، يرى اقتصاديون أن ملف التأمينات والمعاشات يمكن أن يشهد نقلة كبيرة إذا تمت إدارة أمواله بصورة استثمارية احترافية تحقق عوائد مستقرة ومستدامة، بما يضمن تعزيز موارد الصناديق التأمينية وتحسين قيمة المعاشات دون تحميل الدولة أعباء إضافية.

ويبقى أصحاب المعاشات في النهاية هم الآباء والأمهات الذين حملوا مسؤولية العمل والإنتاج لعقود طويلة، وساهموا في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع، ولذلك فإن رد الجميل لهم لا يكون بالكلمات، وإنما بضمان حياة كريمة تحفظ لهم مكانتهم وتؤمن احتياجاتهم في سنوات العمر المتقدمة.

وربما تكون البداية الحقيقية لذلك هي اتخاذ خطوات جادة نحو رفع الحد الأدنى للمعاشات، بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي، ويؤكد أن الدولة لا تنسى أبناءها الذين أعطوا الكثير لهذا الوطن.


google-playkhamsatmostaqltradent