ثورة 23 يوليو.. لحظة ميلاد وطن وإرادة أمة
بقلم: المستشار طلعت الفاوي
تحل علينا الذكرى الرابعة والسبعون لثورة الثالث والعشرين من يوليو، فتعود معها واحدة من أكثر الصفحات إشراقًا في التاريخ المصري الحديث، تلك الثورة التي لم تكن مجرد تغيير في نظام الحكم أو انتقال للسلطة، وإنما كانت مشروعًا وطنيًا متكاملًا أعاد صياغة ملامح الدولة المصرية، ورسخ قيم الاستقلال والكرامة والعدالة الاجتماعية، وفتح آفاقًا جديدة أمام الشعب المصري ليكون شريكًا حقيقيًا في صناعة مستقبله.
لقد تجاوزت ثورة يوليو حدود الزمان والمكان، فلم تبق حبيسة الجغرافيا المصرية، بل امتد صداها إلى الوطن العربي والقارة الإفريقية، لتصبح مصدر إلهام لكل الشعوب التي كانت تتطلع إلى التحرر من الاستعمار واستعادة سيادتها الوطنية. ولم يكن تأثيرها نابعًا فقط من قوة قراراتها، وإنما من إيمانها بحق الشعوب في الحرية والكرامة والتنمية، وهو ما جعلها تحتل مكانة راسخة في وجدان الملايين.
حين نتأمل مسيرة ثورة يوليو، ندرك أنها لم تكن حدثًا عابرًا، بل نقطة تحول مفصلية في التاريخ الوطني والقومي. فقد أعادت للمصريين شعورهم بالعزة الوطنية، ورسخت مفهوم الدولة المستقلة القادرة على اتخاذ قرارها بإرادة حرة، بعيدًا عن أي ضغوط أو وصاية خارجية. وكانت مصر، بقيادتها الوطنية في تلك المرحلة، صاحبة مشروع قومي تجاوز حدودها، ليحمل رسالة التحرر والوحدة والتضامن إلى مختلف أرجاء الوطن العربي وإفريقيا.
ولعل أحد أهم الأبعاد التي ميزت ثورة يوليو هو أنها لم تنظر إلى القضية الوطنية بمنظور ضيق، بل ربطت بين أمن مصر وأمن محيطها العربي، فدعمت حركات التحرر في مختلف الدول العربية والإفريقية، وآمنت بأن قوة الأمة تكمن في وحدتها وتضامنها، وأن تحرير الإنسان من الاستعمار والهيمنة هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا.
وفي مقدمة القضايا التي أولتها الثورة اهتمامًا كبيرًا جاءت القضية الفلسطينية، التي اعتبرتها قضية الأمة العربية بأسرها، فسعت إلى توحيد الموقف العربي دفاعًا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إيمانًا منها بأن فلسطين ستظل القضية المركزية التي تجمع العرب، وأن الحفاظ على الحقوق العربية مسؤولية جماعية لا يمكن التفريط فيها.
أما على الصعيد الداخلي، فقد دشنت الثورة مرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، واتخذت قرارات مصيرية غيرت وجه مصر لعقود طويلة. ويأتي في مقدمة هذه الإنجازات توقيع اتفاقية الجلاء، التي أنهت أكثر من سبعين عامًا من الاحتلال البريطاني، لتستعيد مصر سيادتها الكاملة على أرضها، وتبدأ مرحلة جديدة من الاستقلال الحقيقي.
ثم جاء القرار التاريخي بتأميم قناة السويس ليجسد إرادة وطنية لا تعرف التراجع، وليؤكد أن مقدرات الشعوب يجب أن تكون ملكًا لأبنائها، وأن السيادة لا تكتمل إلا بالتحكم في الموارد الوطنية. وقد أثبت هذا القرار أن الإرادة الصلبة تستطيع أن تواجه التحديات مهما كانت، وأن الشعوب القادرة على الدفاع عن حقوقها تستطيع أن تكتب تاريخها بنفسها.
ومن الإنجازات التي ستظل شاهدة على عظمة تلك المرحلة مشروع السد العالي، الذي لم يكن مجرد مشروع هندسي عملاق، بل كان مشروعًا للتنمية الشاملة، وفر الحماية لمصر من أخطار الفيضانات والجفاف، وأتاح فرصًا واسعة للتوسع الزراعي، وأسهم في توفير الطاقة الكهربائية اللازمة لدفع عجلة التنمية الصناعية والاقتصادية.
لكن الإنجاز الحقيقي الذي صنعته ثورة يوليو لم يكن في المشروعات العملاقة وحدها، وإنما في الإنسان المصري نفسه. فقد آمنت الثورة بأن التعليم هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان، ولذلك اتخذت قرارًا تاريخيًا بإقرار مجانية التعليم العام والجامعي، لتفتح أبواب المعرفة أمام أبناء الفقراء ومحدودي الدخل، وتجعل التفوق والاجتهاد هما المعيار الحقيقي للتقدم، لا الانتماء الطبقي أو القدرة المادية.
وقد انعكس هذا التوجه على المجتمع المصري بصورة واضحة، حيث تمكن آلاف الشباب من الوصول إلى أعلى الدرجات العلمية والمناصب القيادية، وأصبح أبناء القرى والطبقات البسيطة قضاة وأساتذة جامعات وسفراء ووزراء، في صورة تجسد أحد أهم مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
كما أولت الثورة اهتمامًا خاصًا بالبحث العلمي، فدعمت الجامعات، وأنشأت مراكز متخصصة للبحوث، وعملت على تطوير المستشفيات التعليمية، انطلاقًا من إيمانها بأن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بالعلم، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الاستثمار في العقول.
وفي الجانب الاجتماعي، كانت ثورة يوليو منحازة بوضوح للفئات البسيطة، وفي مقدمتها العمال والفلاحون، الذين عانوا سنوات طويلة من التهميش وغياب العدالة. فجاءت الثورة لتعيد الاعتبار لهؤلاء الذين كانوا يمثلون القوة الحقيقية للمجتمع، ووفرت لهم حقوقًا لم يكونوا يحلمون بها من قبل.
ويعد قانون الإصلاح الزراعي واحدًا من أبرز الإنجازات الاجتماعية التي حققتها الثورة، بعدما أعاد توزيع الأراضي الزراعية، وحرر الفلاح من هيمنة الإقطاع، ومنحه فرصة امتلاك الأرض والعمل فيها بكرامة، وهو ما أحدث تحولًا كبيرًا في الحياة الريفية، ورسخ مفهوم العدالة في توزيع الثروة.
كما اتخذت الثورة خطوات جريئة للقضاء على سيطرة الأجانب على قطاعات واسعة من التجارة والصناعة، بما أسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، وإتاحة الفرصة أمام المصريين للمشاركة في بناء قاعدة اقتصادية أكثر استقلالًا وقدرة على تحقيق التنمية.
ورغم مرور أربعة وسبعين عامًا على قيام ثورة يوليو، فإن الكثير من مبادئها لا يزال حاضرًا في وجدان المصريين، لأنها ارتبطت بقيم خالدة، في مقدمتها الانتماء للوطن، والاعتماد على الذات، والعدالة الاجتماعية، ورفض التبعية، والإيمان بأن الشعوب القادرة على العمل والتضحية تستطيع أن تصنع مستقبلها مهما كانت التحديات.
إن استحضار ذكرى ثورة 23 يوليو لا ينبغي أن يكون مجرد استدعاء لأحداث الماضي، بل فرصة للتأمل في الدروس التي قدمتها، وفي مقدمتها أن بناء الأوطان يحتاج إلى إرادة صلبة، ورؤية واضحة، وشعب يؤمن بقدرته على تجاوز الصعاب. فالتاريخ لا تصنعه الأمنيات، وإنما تصنعه الأمم التي تمتلك العزيمة والإصرار على تحقيق أهدافها.
ستظل ثورة الثالث والعشرين من يوليو علامة فارقة في تاريخ مصر، ورمزًا للإرادة الوطنية التي استطاعت أن تغير مسار دولة بأكملها، وأن تترك أثرًا عميقًا في محيطها العربي والإفريقي. وستبقى مبادئها مصدر إلهام للأجيال الجديدة، تؤكد أن الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية والاستقلال ليست شعارات تُرفع، بل قيم تُبنى بالعمل والإخلاص والتضحية.
وفي كل عام، ومع حلول ذكرى هذه الثورة المجيدة، نجدد العهد على مواصلة العمل من أجل رفعة الوطن، مستلهمين من روح يوليو معاني الانتماء والعزة، ومؤمنين بأن مصر، التي صنعت التاريخ، قادرة دائمًا على صناعة المستقبل.
