recent
عـــــــاجــــل

الدكتور الشربيني يكتب.. كيف تدخل الرئيس السيسي لإنقاذ علماء مصر وإعادة الهيبة للأستاذ الجامعي؟

 

الدكتور الشربيني يكتب.. كيف تدخل الرئيس السيسي لإنقاذ علماء مصر وإعادة الهيبة للأستاذ الجامعي؟

الدكتور الشربيني يكتب.. كيف تدخل الرئيس السيسي لإنقاذ علماء مصر وإعادة الهيبة للأستاذ الجامعي؟



بقلم ا.د. السيد الشربيني 

جامعة دمياط 

والمسؤول عن اخبار الجامعات المصرية


لم يكن تدخل فخامة، الرئيس عبد الفتاح السيسي، بملف حوافز الأكاديميين مجرد قرار مالي عابر، بل جاء كرسالة تقدير سيادية بالغة الدلالة لمنارة العلم والعلماء في مصر؛ إن هذا التدخل الرئاسي الحاسم يترجم إيماناً عميقاً بأن الجامعة ليست مجرد قاعات للمحاضرات، بل هي المصنع الحقيقي الذي يُشكل فكر وثقافة الشباب، والركيزة الأساسية لصياغة وعي المجتمع وحمايته من الأفكار الهدامة. 


وجاءت التوجيهات الرئاسية المباشرة للحكومة لتبث روحاً جديدة في جسد المنظومة الأكاديمية، واضعةً نصب عينيها تمكين العقول المصرية من امتلاك أدوات المنافسة والوصول بالبحث العلمي والتعليم العالي إلى العالمية؛ وبناءً عليه، جاء الاجتماع العاجل الذي عقده الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بحضور وزيري المالية والتعليم العالي، ليدشن مرحلة جديدة تستهدف إعادة الصياغة الأكاديمية والاعتبارية لعقول مصر المبدعة.


تحمل مهنة الأستاذ الجامعي خصوصية فريدة تضعها في أعلى مراتب السمو والشموخ المجتمعي؛ فالأستاذ ليس موظفاً تقليدياً، بل هو حارس الوعي وناقل المعرفة، ومقيد بأعراف وتقاليد جامعية صارمة تتوارثها الأجيال؛ هذه المكانة تفرض على الأكاديميين التزاماً تاماً بقيم النزاهة، والترفع، وحفظ كرامة الوظيفة العامة داخل المجتمع.


ولأجل الحفاظ على هذا السمو وضمان التفرغ الكامل لرسالة العلم السامية، فرض قانون تنظيم الجامعات سياجاً قانونياً مشدداً يمنع عضو هيئة التدريس من ممارسة أي مهن أخرى أو الجمع بين عمله الجامعي وأي نشاط تجاري أو وظيفة في القطاع الخاص، بل ويجرم القانون أي إخلال بهذا المبدأ؛ هذا الحظر القانوني الحاسم وضع الأستاذ الجامعي أمام التزام أدبي ووطني رفيع، لكنه في الوقت ذاته جعله يعتمد كلياً على دخله الحكومي من الجامعة، مما جعل حمايته اقتصادياً واجباً حتمياً على الدولة.


لتشخيص عمق الأزمة التي استوجبت هذا التدخل الرئاسي، يعيدنا التاريخ إلى عام 1972 عند صدور قانون تنظيم الجامعات رقم 49؛ حين كان الجنيه يعادل 2.3 دولار وجرام الذهب عيار 21 لا يتجاوز 170 قرشًا، وكان متوسط الراتب الشهري لدرجة الأستاذ في أعلى صوره يبلغ 174.5 جنيهًا شاملاً بدلات الجامعة والعلاوات السنوية، ما كان يوازي 102.6 جرامًا من الذهب؛ والمفارقة الصادمة تتجسد اليوم، بعد مرور أكثر من نصف قرن، حيث يتراوح راتب الأستاذ الجامعي في نهاية خدمته بين 13 و15 ألف جنيه، وهي قيمة تراجعت، وتساوي 2.5 إلى 2.9 جرام ذهب، مما يبرز الضرورة الملحة لتحديث الأطر المالية والتشريعية للمنظومة الجامعية لتواكب المتغيرات الاقتصادية الحالية.


إن هذا التآكل التاريخي الحاد في القيمة الشرائية فرض أعباءً معيشية ضخمة على أساتذة الجامعات والباحثين، وتسبب في ظاهرتين خطيرتين تهددان الأمن القومي المعرفي؛ أولاهما نزيف العقول المتمثلة في هجرة الكفاءات المتميزة إلى الخارج أو اضطرارها لتفضيل الاستقالة على الاستمرار براتب لا يكفي متطلبات الحياة الأساسية، وثانيهما تشتت الجهد الأكاديمي نتيجة لجوء جزء من أعضاء هيئة التدريس للجمع بين جامعات متعددة لتغطية النفقات، مما اقتطع بالتبعية من وقت البحث العلمي والتطوير والابتكار، وجعل الباحث يواجه بمفرده الارتفاع الجنوني في تكاليف أدوات البحث ونفقات النشر الدولي بالمجلات العلمية المرموقة.


وتنفيذاً للتوجيهات الرئاسية المباشرة، لم تقف الحكومة موقف المتفرج؛ بل تحركت وزارة المالية لتقديم دراسات ومقترحات مالية مرنة تضمن تحسين الأوضاع المعيشية بشكل حقيقي وملموس، وتقليص تلك الفجوة التاريخية المتراكمة، مع الحفاظ على توازن الموازنة العامة للدولة؛ وتوجيه رئيس الوزراء بسرعة الانتهاء من مشروع القرار في صورته النهائية يعكس رغبة سياسية حاسمة في الانتقال من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ الفوري، لتوفير الحماية الاقتصادية والاعتبارية للمنظومة الأكاديمية والبحثية وتحديث الأطر المالية الجامعية بما يتناسب مع كرامة الأستاذ الجامعي وعطائه.


إن قرار زيادة الحوافز بتوجيه سيادي يمثل خطوة استراتيجية لحماية ثروة مصر البشرية وتوطين البحث العلمي برؤية أمن قومي؛ حيث يسهم الاستقرار المالي الملموس في بناء حائط صد منيع لوقف نزيف العقول وتحفيز النشر الدولي الذي يدفع بالجامعات المصرية نحو صدارة تصنيفات تايمز وشنغهاي العالمية؛ كما يتيح تفرغ العلماء لربط الأبحاث مباشرة بقطاعات الإنتاج لتقديم حلول مبتكرة للأزمات الصناعية والبيئية والزراعية وتحويل الابتكارات إلى مشاريع عملاقة، فضلاً عن تطوير جودة الخريج لامتلاك مهارات الغد، مما يحول المحراب الجامعي المستقر إلى قاطرة حقيقية للتنمية الشاملة وصياغة مستقبل مجتمع المعرفة.


إن إنقاذ عقول مصر وصيانة كرامتها المالية والأدبية ليس مجرد تفصيل مالي، بل هو حجر الزاوية في بناء وعي الأمة وحماية جدارها القومي المعرفي. وتدخل الرئيس السيسي اليوم يعيد كتابة العقد الاجتماعي والوطني مع المحراب الجامعي، مؤكداً أن الدولة التي تصيغ حاضرها بحكمة وتتطلع لمستقبل واعد، تدرك يقيناً أن قلاع العلم والابتكار لا تُبنى بجهود عقول منهكة اقتصادياً، بل بنوابغ مستقرة تفيض عطاءً وإبداعاً؛ إنها خطوة حاسمة في توقيتها، عميقة في دلالتها، لتعود للأستاذ الجامعي هيبته ووقاره، ولتظل الجامعات المصرية سماءً رحبة تحتضن النور، وتصنع الفكر، وتقود السفينة نحو أفق العالمية بصلابة، وشموخ، واقتدار

google-playkhamsatmostaqltradent