recent
عـــــــاجــــل

"وطني اسمه أنت".. بقلم: سعيد محمد المنزلاوي

 

وطني اسمه أنت.. بقلم سعيد محمد المنزلاوي

"وطني اسمه أنت".. بقلم: سعيد محمد المنزلاوي



" ليس أقسى ما في الحب الفراق... بل أن يختار أحد المحبين الفراق؛ ظنًّا منه أنه بذلك يحمي من يحب".

لم يكتفِ بحظرها، بل قطع آخر طريقٍ يؤدي إليه. اتصلت برقم قديم، فلم يجبها إلا الصدى. استعانت بصديقة، فابتلع التجاهلُ الرسالة. بحثت عن اسمه في كل نافذة يمكن أن تخطر لها، فلم تجد إلا فراغًا باردًا؛ كأن الرجل الذي ملأ عمرها قرر أن يمحو نفسه من العالم دفعةً واحدة.

أمام شاشةٍ باردة، جلست تحدق طويلًا في قائمة أصدقائها، ثم بدأت تحذفهم واحدًا تلو الآخر. كل وجه لا يشبه وجهه، صار عبئًا لا يُحتمل.

يمرُّ الوقت بطيئًا، كأنه يتعمد أن يضاعف ثقل الانتظار. وكانت تقيس الأيام بخطوات أمها القعيدة وهي تزحف بين السرير والنافذة. كانت في أول شبابها، لكن روحها علقت في غياب رجل، وحياتها كلها علقت إلى جوار جسدٍ يذوي.

كان الخطّاب يطرقون بابهم، فتعتذر بابتسامةٍ لا تصل لعينيها، ثم تعود إلى غرفتها. لا تسأل عن اسم، ولا مهنة، ولا نسب. 

كانت قد أوصدت قلبها من الداخل، وخبأت المفتاح في جيب غائب.  كانت تنتظره... هو، لا سواه.

في الصباح تفتح نافذة حجرتها، فيغمرها ضوء الشمس ويتسلل إليها عبق الياسمين المتسلق. وحين تصعد رائحته إلى غرفتها، تتذكر صوته:

- وددتُ لو كنتُ طوقًا من الياسمين يزيّن جيدك.

فتذوب في نشوة الذكرى، وتغرق في ابتهالات خاشعة أن يعيده الله إليها.

دخلت على أمها ذات صباح، فوجدتها تحيك بصعوبة قطعة صوف صغيرة، وقد أنهك المرض أصابعها المرتجفة.

كانت أمنية العجوز أن ترى ابنتها في كنف رجلٍ يؤنس وحشتها. فتبتسم في وجهها، ثم تقول بحنان:

 - ولمَن أتركك يا أمي؟

 فتدعو الأم على نفسها بالموت، فتسرع الابنة إلى ضمها، دامعة العينين، ثم تكفكف دموعها، وتقول بثبات تُحسد عليه:

 - لم يأتِ بعد مَن أترك كل شيء من أجله.

  تذكرت وعده القاطع ذات مساء:

- لن أتخلى عنكِ ما حييت.

أغمضت عينيها. كأن الوعد ما يزال حيًّا في ذاكرتها، رغم أن صاحبه قد غاب. تحسست موضع الوجع في صدرها، وهمست:

— ما أشد الجرح الذي خلّفه غيابك!

وفي عتمة الليل كان العقل يصرخ: 

- لا تدعيه يجدكِ، ولو صدفة. ذاك الذي أضاعك عمدًا.

 لكن القلب لم يكن يعرف كيف يطيع.

وفي مساءٍ شتوي، كانت تطعم أمها بيد، وتقلب هاتفها باليد الأخرى. اهتز الهاتف. إشعار جديد. لم تلتفت.

أكملت إطعام أمها، ثم فتحت الهاتف في فتور: "طلب صداقة جديد".

اعتادت أن تحذف الطلبات فورًا قبل أن تتبين وجوه أصحابها. لكن الاسم هذه المرة كان محفورًا تحت طبقةٍ سميكة من الغبار. اسمٌ كادت أن تنساه، لولا أنه كان يسكن نخاعها.

قبِلته فورًا. وفي اللحظة نفسها، وصلتها رسالة واحدة أُلقيت في العراء الرقمي:

-"أحبكِ"

سقط الهاتف من يدها. موجة ذهول خانقة. كيف لسنوات وجع أن تختزل في كلمة واحدة؟ 

سألته:

   - لماذا تركتني؟

كان رده أسرع من البرق:

- كنت أخشى أن أستبقيكِ بجواري وأنا عاجز عن أن أهبكِ الحياة التي تستحقينها.  

ثم أرسل إليها صورةً لغرفةٍ ضيقة، وجدارٍ عارٍ، وحقيبةٍ مهترئة في زاوية. ثم صورةً أخرى ليدين متشققتين كأرضٍ بور.

تأملت الصورتين طويلًا، ثم كتبت والدمع يعمّي عينيها:

- كنت سأرضى بك ولو اقتسمنا رغيفًا واحدًا.

قرأها. ظل مؤشر القراءة مضاءً طويلًا.

كان يبكي في غرفته الضيقة، على عمرٍ أهدره وهو يحاول أن يصبح جديرًا بها. 

لم يكن الفقر الذي كان يخشاه أقسى ما يمكن أن يواجهه، فثمة أشياء إذا أضاعها الإنسان، لا يستطيع المال أن يعيدها. 

سألها:

- هل كرهتني طوال كل هذا الغياب؟

جاءه الرد سريعًا:

- لو كرهتك، لما انتظرتك.

ضمَّ الهاتف إلى صدره، كأنه يستطيع بذلك أن يختصر المسافة بينهما.

وظل طويلًا أمام صورتها، يتمنى لو يستطيع أن يعبر الشاشة إليها.

وبعد أشهر، طرق بابها.

فتحت. لم يكن هو الفتى الذي ودعته قبل سنوات. كانت الغربة قد نحتت وجهه؛ خطوط دقيقة حول عينيه، وانحناءة خفيفة في كتفيه.

لكن عينيه... عينيه وحدهما بقيتا كما هما؛ تحملان تعب رجلٍ عاش عمرين في عمرٍ واحد.

نظر إليها طويلًا. ثم ضمها إلى صدره، كأنه يسترد أعوامه الضائعة.

ثم قال وهو ينفث أوجاع الغربة:

- عدتُ إليكِ كما أردتِ.

- ابتعدت عنه قليلًا، وتأملته بعينين امتلأتا بالدموع:

- لكن الزمن لم يتركنا كما كنا.

في تلك اللحظة، خرجت أمها مستندةً إلى الحائط. تأملته طويلًا بعينين ذابلتين، ثم ابتسمت ابتسامةً اختلطت فيها الدموع بالفرح:

- الحمد لله... عاد الذي كانت ابنتي تدعو له أكثر مما كانت تدعو لنفسها.

لم تستطع الابنة أن تخفي دموعها. ولا هو.

 تزوجها، وبعد شهرٍ حمل زوجته وأمها معه إلى غربته. 

في المطار سألها ضابط الجوازات عن وجهتها. نظرت إلى زوجها وابتسمت. 

لم تكن تبحث عن وطن على الخريطة، كانت تبحث عن السكنى بين ذراعيه.

مرت أيام، استطاع خلالها أن يرمم بعضًا مما تهدم من سنوات الانتظار، وأن يعيد إلى حياتهما بعض ما سرقه البُعد.

وفي ليلة باردة، سألها:

- أتعبكِ البُعد عن الديار؟

نظرت إلى النافذة. كانت الثلوج تكسو الزجاج، وضعت رأسها على صدره الدافئ، وقالت بدلالِ طفلةٍ وجدت ضالتها بعد ضياع طويل:

- منذ اليوم... وطني اسمه أنت. عرض أقل


google-playkhamsatmostaqltradent