الألماس المعملي يفتح لمصر فرصًا صناعية جديدة وسط سباق التكنولوجيا والطاقة
كتبت هدى العيسوى
يشهد سوق الألماس المعملي تحولًا لافتًا يتجاوز حدود صناعة المجوهرات، مع تنامي استخداماته في مجالات التكنولوجيا والطب والإلكترونيات والليزر والحوسبة الكمية، بما يفتح الباب أمام صناعات جديدة تعتمد على التكنولوجيا والطاقة والبحث العلمي أكثر من اعتمادها على امتلاك الموارد الطبيعية.
ويرى مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية أن هذا التحول يمثل فرصة أمام مصر لدراسة دخول صناعة واعدة تتوافق مع توجهات الدولة نحو تعميق التصنيع وزيادة الصادرات ورفع القيمة المضافة، خاصة أن إنتاج الألماس المعملي لا يرتبط بوجود مناجم، وإنما يقوم بالأساس على امتلاك التكنولوجيا وتوفير الطاقة بأسعار تنافسية وتأهيل الكوادر البشرية وتطوير منظومة البحث العلمي.
غير أن الفرصة تحمل في المقابل تحديات مهمة، أبرزها التراجع الحاد في أسعار الألماس المعملي نتيجة زيادة المعروض عالميًا، ما يجعل المنافسة في هذه الصناعة مرتبطة بقدرة المنتجين على خفض تكاليف الإنتاج وتحسين الجودة والانتقال إلى التطبيقات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
سوق عالمي ينمو وأسعار تتراجع
تقدر بيانات DataM Intelligence قيمة سوق الألماس المعملي عالميًا بنحو 28.28 مليار دولار خلال 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 61.86 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يقترب من 10.1%.
ورغم هذا النمو، يواجه القطاع ضغوطًا سعرية قوية نتيجة التوسع في الإنتاج العالمي، إذ أظهرت بيانات الربع الثاني من 2026 انخفاض أسعار الجملة للألماس المعملي بنحو 13% على أساس سنوي، بينما تراجع سعر الألماس الدائري بوزن قيراطين بنحو 20%.
وعلى مدى أطول، تكشف بيانات مؤشر أسعار الجملة للألماس المعملي عن تراجع يقارب 96% منذ إطلاق المؤشر في يوليو 2018 وحتى الربع الثاني من 2026، وفق المؤشر الذي يصدره المحلل المتخصص في صناعة الألماس إيدان جولان بالتعاون مع شركة تينوريس.
وتعكس هذه الأرقام مفارقة واضحة في السوق، فبينما تتوسع الصناعة من حيث حجم الإنتاج والاستخدام، تتعرض قيمة المنتج التقليدي لضغوط متواصلة، ما يجعل زيادة الإنتاج وحدها غير كافية لتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
من المجوهرات إلى الصناعات التكنولوجية
لم يعد الألماس المعملي مجرد بديل للألماس الطبيعي في صناعة المجوهرات، إذ تمنحه خصائصه الفيزيائية المتميزة، وفي مقدمتها الصلابة العالية والتوصيل الحراري والخصائص البصرية والكهربائية، إمكانات واسعة في الصناعات المتقدمة.
وتشمل أبرز الاستخدامات إدارة الحرارة في الأجهزة الإلكترونية، والمواد المتقدمة، وبعض تطبيقات أشباه الموصلات، وأنظمة الليزر، والتطبيقات الطبية، فضلًا عن مجالات الفوتونيات والحوسبة الكمية.
ويمثل التوسع في هذه الاستخدامات فرصة أمام الصناعة للخروج من دائرة المنافسة السعرية في سوق المجوهرات إلى مجالات صناعية أكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة، خاصة في ظل الانخفاض المستمر لأسعار الأحجار الموجهة للاستهلاك التقليدي.
الصين تتصدر الإنتاج بالتكنولوجيا والتكامل الصناعي
تكشف خريطة الصناعة العالمية عن تصدر الصين إنتاج الألماس المعملي، مستفيدة من قدراتها التكنولوجية وتكامل سلاسل الإمداد، وليس من امتلاك احتياطيات ضخمة من الألماس الطبيعي.
وتشير بيانات صناعة المجوهرات الصينية لعام 2024 إلى إنتاج نحو 22 مليون قيراط من الألماس المعملي، بزيادة سنوية بلغت 144.4%، بما يمثل قرابة 63% من الإنتاج العالمي.
وتتركز نسبة كبيرة من الصناعة في مقاطعة خنان، التي تحولت إلى مركز رئيسي لإنتاج بلورات الألماس المعملي، مستفيدة من منظومة صناعية متكاملة تشمل المعدات والآلات والمواد اللازمة لعمليات النمو البلوري.
وتعتمد الشركات الصينية على تقنيات الضغط والحرارة المرتفعين والترسيب الكيميائي للبخار، مع استفادتها من توافر المعدات والمدخلات الصناعية محليًا، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في التكلفة والتوسع في الأسواق الخارجية.
وتؤكد التجربة الصينية أن امتلاك التكنولوجيا وكفاءة سلسلة الإمداد قد يكون أكثر أهمية من امتلاك الموارد الطبيعية في تحديد قدرة الدول على المنافسة في هذه الصناعة.
الهند تراهن على التصنيع والخبرة التصديرية
اتجهت الهند إلى استغلال خبرتها التاريخية في قطع وصقل الألماس الطبيعي، إلى جانب امتلاكها قاعدة صناعية واسعة في قطاع الأحجار الكريمة والمجوهرات.
وتعد مدينة سورات أحد أبرز مراكز هذه الصناعة، حيث تنتشر الشركات والورش المتخصصة في إنتاج وصقل الأحجار، إلى جانب منظومة متكاملة للتجارة والتصدير.
وأظهرت بيانات وكالة التصنيف الائتماني الهندية ICRA ارتفاع صادرات الهند من الألماس المعملي من نحو 225 مليون دولار خلال السنة المالية 2019 إلى 1.207 مليار دولار في السنة المالية 2025.
لكن انخفاض الأسعار ألقى بظلاله على قيمة الصادرات، إذ بلغت صادرات الألماس المعملي المصقول نحو 1.13 مليار دولار خلال السنة المالية 2025 و2026، بتراجع 10.55% على أساس سنوي رغم زيادة الكميات المصدرة.
ويكشف ذلك عن تحدٍ رئيسي يواجه الصناعة عالميًا، يتمثل في أن زيادة الإنتاج لا تضمن بالضرورة ارتفاع الإيرادات، إذا استمرت الأسعار في الهبوط.
وتوقعت ICRA ارتفاع حصة الألماس المعملي إلى ما يتراوح بين 10% و12% من إجمالي صادرات الألماس المصقول الهندية خلال العامين إلى ثلاثة أعوام المقبلة.
ولم تكتف الحكومة الهندية بدعم التصنيع، بل اتجهت إلى تعزيز القاعدة التكنولوجية من خلال الموافقة على منحة للبحث والتطوير بقيمة تقارب 242.96 كرور روبية على مدى خمس سنوات لإنشاء مركز الهند للألماس المعملي في المعهد الهندي للتكنولوجيا بمدينة مدراس، بهدف تطوير بذور الألماس والمعدات والمواد الخام محليًا وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.
كما جرى خفض الرسوم الجمركية على بذور الألماس المستخدمة في إنتاج الألماس المعملي الخام إلى صفر لفترة عامين، ضمن جهود دعم الصناعة المحلية.
دبي تعزز دور التجارة واللوجستيات
اختارت الإمارات مسارًا مختلفًا يعتمد بدرجة أكبر على التجارة والخدمات اللوجستية بدلًا من الدخول في منافسة مباشرة مع الصين والهند في الإنتاج واسع النطاق.
وتستفيد دبي من موقعها الجغرافي ومناطقها الحرة وبنيتها اللوجستية المتطورة ومنظومة تجارة الألماس التي توسعت خلال السنوات الماضية.
ويضم مركز دبي للسلع المتعددة منظومة مرتبطة بصناعة الألماس المعملي تشمل التجارة والتطوير، فيما توفر بورصة دبي للألماس منصة للتعاملات وتجمعًا للمصنعين والتجار والمستثمرين.
وسجلت تجارة الألماس عبر دبي بمختلف أنواعه مستوى قياسيًا بلغ 41.7 مليار دولار خلال 2025، وفق بيانات أعلنها مركز دبي للسلع المتعددة في يوليو 2026، وهو رقم يعكس إجمالي تجارة الألماس ولا يمثل قيمة تجارة الألماس المعملي وحدها.
الولايات المتحدة تراهن على التكنولوجيا والطلب
تختلف التجربة الأمريكية عن النموذجين الصيني والهندي، إذ تستند قوة الولايات المتحدة بصورة أكبر إلى حجم الطلب والاستثمار في التطبيقات التكنولوجية.
وتعد السوق الأمريكية من أبرز أسواق مجوهرات الألماس المعملي، كما تضم شركات ومراكز بحثية تعمل على تطوير استخداماته في الإلكترونيات والمواد المتقدمة والتقنيات الكمية.
ومع اتساع نطاق التطبيقات الصناعية، تزداد أهمية السوق الأمريكية باعتبارها سوقًا استهلاكية ومركزًا لتطوير تقنيات يمكن أن تحدد مستقبل الطلب على الألماس المعملي.
مصر أمام فرصة صناعية جديدة
تمتلك مصر عددًا من المقومات التي تسمح بدراسة دخول صناعة الألماس المعملي، من بينها قاعدة صناعة الذهب والمجوهرات، إلى جانب مشروع مدينة الذهب بالعاصمة الإدارية الجديدة، فضلًا عن البنية الصناعية وشبكة اتفاقيات التجارة التي يمكن أن تدعم الوصول إلى الأسواق الخارجية.
لكن هذه المقومات لا تكفي وحدها لبناء صناعة قادرة على المنافسة.
وتوضح التجارب الدولية أن صناعة الألماس المعملي تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالتكنولوجيا والطاقة منخفضة التكلفة، مرورًا بمراكز البحث والتطوير والكوادر الهندسية والفنية، وصولًا إلى القدرة على تصنيع المعدات أو صيانتها محليًا، وامتلاك قنوات تسويقية وتصديرية قادرة على استيعاب الإنتاج.
ومن هنا، لا ينبغي أن تقتصر دراسة دخول مصر إلى هذا القطاع على إنتاج أحجار المجوهرات، خصوصًا في ظل الضغوط السعرية التي تواجه هذا النشاط، وإنما يجب النظر إلى سلسلة القيمة بأكملها.
وقد تشمل الفرص المتاحة إنتاج الألماس المعملي، والقطع والصقل، وتصنيع مستلزمات الإنتاج، وتطوير التطبيقات الصناعية، إلى جانب إقامة قاعدة للتجارة وإعادة التصدير.
القيمة المضافة مفتاح المنافسة
تؤكد التجارب الدولية أن الألماس المعملي أعاد رسم خريطة صناعة الألماس العالمية، فلم يعد امتلاك المناجم العامل الحاسم في تحديد موقع الدولة داخل السوق، وإنما أصبحت التكنولوجيا وتكلفة الطاقة والبحث العلمي والمهارات البشرية وكفاءة سلاسل الإمداد عناصر أكثر تأثيرًا.
فالصين نجحت في بناء قاعدة إنتاجية ضخمة بفضل التكنولوجيا والتكامل الصناعي، والهند استفادت من خبرتها في القطع والصقل وبنت صناعة تصديرية متنامية، بينما ركزت الإمارات على التجارة والخدمات اللوجستية، واستفادت الولايات المتحدة من قوة الطلب والتكنولوجيا.
أما مصر، فتحتاج إلى صياغة نموذج يتناسب مع مقوماتها بدلًا من استنساخ تجارب الدول الأخرى.
ويخلص مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية إلى أن الألماس المعملي يمكن أن يمثل فرصة أمام مصر لدخول مجال صناعي يجمع بين التكنولوجيا والتصنيع والتصدير، إلا أن نجاح هذه الخطوة سيتوقف على القدرة على خفض تكاليف الإنتاج وتحويل المنتج إلى تطبيقات ذات قيمة مضافة مرتفعة، بدلًا من الانخراط في سباق إنتاج كمي قد تتآكل عوائده بفعل انخفاض الأسعار.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية؛ فصناعة الألماس المعملي يمكن أن تتحول من مجرد نشاط جديد في قطاع المجوهرات إلى اختبار لقدرة مصر على بناء صناعة تصديرية قائمة على التكنولوجيا والمعرفة، وتحقيق قيمة مضافة وتوفير موارد من النقد الأجنبي عبر منتج لا يستخرج من باطن الأرض، وإنما تصنعه المعرفة والقدرة الصناعية.
