حين يصبح الفراغ محتوى.. الترندات التافهة وتهديد وعي الأجيال
بقلم: رانيا خليفة
لم يعد الانتشار دليلًا على القيمة، ولا عدد المشاهدات مقياسًا للوعي أو النجاح، لكننا أصبحنا نعيش في زمن يستطيع فيه الترند أن يمنح التفاهة حجمًا أكبر من حقيقتها، ويحول لحظة عابرة إلى حديث الملايين.
المشكلة ليست في الترفيه، فهو جزء طبيعي من الحياة، وإنما في أن يتحول المحتوى السطحي إلى الأكثر حضورًا، بينما يتراجع المحتوى الذي يقدم معرفة أو يبني فكرًا أو يرسخ قيمة.
الخطورة الحقيقية تبدأ عندما يعتاد الطفل والمراهق مشاهدة محتوى يقوم على السخرية والتنمر والاستعراض والجدل المفتعل، فيتحول الأمر من فضول إلى عادة، ثم إلى نمط مألوف وربما مقبول.
وكل مشاهدة أو مشاركة أو تعليق يمنح المحتوى فرصة جديدة للانتشار، لذلك يجب أن يتعلم أبناؤنا التوقف قبل التفاعل والسؤال: هل يستحق هذا المحتوى وقتي؟ وهل يضيف إليّ شيئًا؟
المسؤولية هنا مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام وصناع المحتوى. فالمطلوب ليس منع التكنولوجيا أو محاربة كل ترند، وإنما بناء وعي يجعل أبناءنا قادرين على التمييز بين ما يستحق المتابعة وما لا يستحق سوى التجاهل.
فبعض الظواهر لا تموت بالحملات ضدها، وإنما تموت عندما نتوقف عن منحها الاهتمام. وليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يستحق أن يحتل مساحة من عقول أبنائنا.
معركة الوعي اليوم لم تعد داخل المدارس والكتب فقط، بل أصبحت أيضًا داخل شاشات الهواتف، وفي كل لحظة يختار فيها أبناؤنا ماذا يشاهدون وماذا يتابعون وماذا يشاركون.
قد لا نستطيع منع المحتوى التافه من الظهور، لكننا نستطيع أن نربي جيلًا لا يمنحه قيمته لمجرد أنه تصدر المشهد. فالأجيال لا تتشكل فقط بما نعلمه لها، وإنما أيضًا بما نسمح له أن يسكن عقولها.
