كتاب جديد يقتحم عوالم النفس ويكشف العلاقة الخفية بين النرجسية والإرهاب
كتب - حسن سليم
يقدم كتاب النرجسية والإرهاب للكاتب والباحث الدكتور أحمد صديق قراءة تحليلية مختلفة تتجاوز الصور التقليدية المرتبطة بمفهومي الإرهاب والنرجسية، ليكشف عن شكل جديد من العنف غير المرئي، يتمثل في ما يمكن وصفه بالإرهاب النفسي الذي يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية ويترك آثارًا عميقة في النفس.
ينطلق الكتاب من تساؤل جوهري يلامس تجارب إنسانية متكررة، لماذا نخرج من بعض المواجهات منهكين رغم أننا لم نخض حربًا ولم نطلق رصاصة، ليكشف أن الصراع الحقيقي لم يعد دائمًا في ساحات المواجهة الصريحة، بل في مساحات خفية تمارس فيها السيطرة بوسائل ناعمة، مثل التلاعب العاطفي، والانسحاب المقصود، والصمت العقابي، وهي أدوات تتقنها الشخصيات النرجسية وتعيد من خلالها تشكيل الواقع لصالحها.
ويرى المؤلف أن الصورة النمطية التي رسختها الأعمال الفنية عن الإرهابي الصاخب أو النرجسي المتغطرس لم تعد تعكس حقيقة المشهد، فالعالم اليوم يواجه أنماطًا أكثر تعقيدًا تمارس القهر ببرود لافت، وتفرض هيمنتها دون ضجيج، مستبدلة المواجهة المباشرة بأساليب خفية تعيد صياغة العلاقات وتربك توازنها.
ويكشف الكتاب عن خيط دقيق يجمع بين النرجسية والإرهاب، رغم اختلاف السياقات، يتمثل في مسار داخلي يبدأ بتضخم الأنا، ويمر بحالة دائمة من تبرير الأفعال، وصولًا إلى استعداد غير معلن لإقصاء الآخر أو إيذائه حين يتعارض مع الصورة الذاتية التي يحرص الفرد على تثبيتها. هذا المسار لا يظهر فجأة، بل يتشكل تدريجيًا داخل النفس، عبر تراكم أفكار تهمس طويلًا حتى تعيد تشكيل العالم في ذهن صاحبها بصورة أحادية مغلقة.
ويتابع الدكتور أحمد صديق تحليله لكيفية تحول هذا البناء النفسي إلى سلوك مؤثر، حيث تصبح السيطرة هدفًا، ويتحول الآخر إلى مجرد أداة أو تهديد يجب احتواؤه أو إلغاؤه، في ظل رؤية تختزل الواقع في ثنائيات حادة لا تعترف بالتنوع أو التعقيد.
ويؤكد المؤلف أن فهم هذا النمط من العنف يمثل ضرورة ملحة في زمن تتداخل فيه الأبعاد النفسية والاجتماعية، إذ لم يعد الخطر مرتبطًا فقط بالفعل العنيف الظاهر، بل بما يسبقه من تشكل داخلي قد يكون أكثر تأثيرًا واستمرارية.
ويأتي هذا العمل في إطار اهتمام الدكتور أحمد صديق بدراسة البنية النفسية للعنف وتأثيراتها على الفرد والمجتمع، مستندًا إلى خلفيته الأكاديمية في الدراسات السياسية والأمنية، حيث يسعى من خلال هذا الكتاب إلى تقديم رؤية تحليلية تفتح المجال لفهم أعمق لمنطق العنف وحدوده، وتدعو إلى قراءة أكثر وعيًا لما يدور في النفس قبل أن يتحول إلى سلوك.
ويطرح الكتاب في مجمله دعوة للتأمل في طبيعة الصراعات الإنسانية، والتنبه إلى أن أخطر أشكال العنف قد تكون تلك التي لا تُرى، لكنها تترك أثرًا ممتدًا في الوعي والوجدان.
