التقييم يحمي الطفولة ولا يغتالها
بقلم: أ. د. عيد عبدالواحد علي درويش
عميد كليتي التربية والتربية للطفولة بجامعة المنيا سابقًا
رئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر سابقًا
مدير الأكاديمية المهنية للمعلمين بمصر سابقًا
خبير ومستشار تربوي لعدد من المؤسسات والجهات الدولية
أثارت مسألة تطبيق اختبارات شهرية على تلاميذ الصفين الأول والثاني الابتدائي نقاشًا واسعًا بين أولياء الأمور والمتخصصين والمهتمين بالتعليم، وذهب البعض إلى اعتبار هذه الخطوة ضغطًا إضافيًا على الأطفال، بل استخدم البعض تعبير «اغتيال الطفولة» في وصفها.
غير أن قضية بهذه الأهمية تحتاج إلى قراءة تربوية هادئة تبتعد عن الانفعال، لأن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بحق الطفل في اللعب والحركة والاستمتاع بسنواته الأولى، فهذا حق أصيل لا خلاف عليه، وإنما يتعلق بطبيعة التقييم الذي يخضع له الطفل، والغرض منه، وطريقة تنفيذه، والآثار التي يمكن أن تترتب عليه.
ومن المهم هنا التمييز بين التقييم والامتحان التقليدي. فالتقييم في السنوات الأولى لا يفترض بالضرورة أن يكون ورقة طويلة وأسئلة ودرجات وموقفًا يثير القلق لدى الطفل. التقييم التربوي يمكن أن يكون ملاحظة لأداء الطفل، أو نشاطًا قصيرًا، أو سؤالًا بسيطًا، أو مهمة تساعد المعلم على معرفة مستوى القراءة والفهم والحساب والمهارات الأساسية التي يفترض أن يكتسبها الطفل في مرحلته العمرية.
المعلم يحتاج إلى أن يعرف ما الذي أتقنه الطفل، وما الذي لا يزال يحتاج إلى تدريب عليه، وأين تكمن نقاط القوة، وأين تظهر الصعوبات. والأسرة تحتاج إلى معرفة احتياجات ابنها التعليمية، والمدرسة تحتاج إلى اكتشاف مواطن التعثر مبكرًا حتى تستطيع التعامل معها قبل أن تتحول إلى فجوات يصعب علاجها في السنوات التالية.
ولهذا فإن القول بعدم الحاجة إلى تقييم الطفل لأنه ما زال صغيرًا قد يبدو رحيمًا في ظاهره، لكنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فالسنوات الأولى هي المرحلة التي تتكون خلالها المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب والفهم، وأي قصور لا يكتشف مبكرًا قد ينتقل مع الطفل من صف إلى آخر ويصبح علاجه أكثر صعوبة.
الطفل لا يحتاج إلى غياب التقييم، وإنما يحتاج إلى تقييم لا يخيفه.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام عند مناقشة أي قرار يتعلق بتقييم تلاميذ الصفوف الأولى. فإذا كان التقييم قصيرًا، ومناسبًا لعمر الطفل، ومتصلاً بالمهارات التي يتعلمها، ولا يتحول إلى مصدر للعقاب أو التهديد، فإنه يمكن أن يكون وسيلة لمساعدة الطفل وليس عبئًا عليه.
كما أن الدرجة نفسها لا ينبغي أن تكون محور العملية التعليمية. الرقم الذي يحصل عليه الطفل لا يخبرنا وحده بما تعلمه، ولا يكشف وحده أسباب تعثره. الأهم هو معرفة المهارة التي أتقنها والمهارة التي تحتاج إلى دعم، ثم استخدام هذه المعلومات في تطوير التدريس ومساعدة الطفل.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتقويم؛ فالسؤال التربوي الأهم ليس «كم حصل الطفل؟»، وإنما «ماذا تعلم؟ وماذا لم يتعلم؟ وما الذي يمكن أن نقدمه له حتى يتقدم؟».
ومن الخطأ أيضًا أن نحمل القرار الوزاري وحده مسؤولية أي ممارسة خاطئة قد تحدث داخل المدرسة. فقد يكون الهدف من التقييم هو المتابعة واكتشاف الفروق الفردية وقياس مدى تحقق نواتج التعلم، لكن طريقة التنفيذ هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان الطفل سيجد أمامه تجربة تعليمية مفيدة أم تجربة مرهقة.
إذا تحول الاختبار الشهري إلى امتحانات طويلة، وواجبات منزلية متراكمة، وحفظ وتلقين، ومقارنات بين التلاميذ، وتهديد بالدرجات، وضغط مستمر من الأسرة، فإننا نكون قد ابتعدنا عن فلسفة التقييم التربوي، وأصبحنا أمام ممارسة تحتاج إلى مراجعة.
أما إذا كان التقييم بسيطًا ومناسبًا للمرحلة العمرية، ويقيس الفهم والمهارات، ويمنح المعلم صورة واضحة عن مستوى الطفل، ثم تُستخدم نتائجه لتقديم الدعم والعلاج، فإن وجوده لا يمثل اعتداءً على طفولة الطفل.
المشكلة إذن ليست في كلمة «تقييم»، وإنما في الطريقة التي نفهم بها هذه الكلمة ونطبقها داخل المدرسة والبيت.
ومن هنا فإن المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع قرار وزير التربية والتعليم، ولا التعامل معه باعتباره فوق النقد، وإنما إخضاعه للمتابعة والقياس والتطوير. فمن حق المتخصصين وأولياء الأمور أن يطرحوا الأسئلة حول أدوات التقييم ومدى ملاءمتها لأعمار الأطفال، وأن يطالبوا ببيانات واضحة تكشف أثرها الفعلي، وأن يدعوا إلى تعديل أي ممارسة تثبت التجربة أنها تضر بالطفل أو تثقل عليه.
الإصلاح التعليمي لا ينجح بمجرد إصدار القرارات، كما لا ينجح برفضها قبل اختبار نتائجها. النجاح الحقيقي يرتبط بوجود هدف واضح، وأداة مناسبة، ومتابعة مستمرة، وقدرة على تعديل المسار عندما تكشف الممارسة عن جوانب تحتاج إلى إصلاح.
وهناك مسؤولية لا تقل أهمية تقع على الأسرة. فالأم والأب يستطيعان أن يجعلا من التقييم تجربة عادية أو مصدرًا للخوف. ليس مطلوبًا أن يعود الطفل من المدرسة ليجد في انتظاره تحقيقًا حول الدرجة التي حصل عليها، وإنما الأجدى أن يعرف والداه ماذا تعلم، وما الذي استمتع به، وما الصعوبة التي واجهها.
ولا ينبغي أن تصبح الدرجة معيارًا للحب أو الفخر أو القبول. الطفل الذي يحصل على نتيجة ضعيفة لا يحتاج إلى التوبيخ، وإنما يحتاج إلى مساعدة هادئة تفهم سبب الخطأ وتفتح أمامه طريق التحسن.
الطفل ليس رقمًا في كشف درجات، والمدرسة ليست مؤسسة لإنتاج الأرقام. التعليم في سنواته الأولى بناء للمهارات والشخصية والثقة بالنفس، والتقييم يجب أن يخدم هذا البناء لا أن يهدمه.
وفي المقابل، فإن إلغاء التقييم تمامًا ليس حلًا تربويًا سليمًا. هناك أطفال يحتاجون إلى مساعدة لا يطلبونها لأنهم لا يعرفون أصلًا أنهم يواجهون مشكلة في التعلم. وهناك فروق فردية لا تستطيع المدرسة التعامل معها بكفاءة من دون معلومات واضحة عن مستوى كل طفل. والتقييم المنظم والعادل يمكن أن يكشف هذه الاحتياجات ويمنح المدرسة فرصة للتدخل المبكر.
كما يمكن أن يصبح التقييم وسيلة لتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص، بشرط ألا يتحول إلى أداة لوصم الأطفال أو تصنيفهم أو وضعهم في مقارنات مستمرة. المطلوب أن نكتشف الطفل الذي يحتاج إلى مساعدة، ثم نقدم له هذه المساعدة، لا أن نضع أمامه لافتة تقول إنه أقل من زملائه.
ولذلك فإن الدفاع عن توجه الوزارة نحو المتابعة والتقييم لا يعني الدفاع عن الامتحان التقليدي، ولا يعني قبول أي طريقة للتطبيق. كما أن انتقاد بعض أدوات التقييم لا يعني المطالبة بترك الطفل من دون متابعة.
الموقف الأكثر إنصافًا هو أن نعطي التقييم معناه التربوي الصحيح، وأن نضع له ضوابط واضحة تحمي الطفل من الضغط، وتضمن أن تكون أدواته متناسبة مع عمره وقدراته، وأن تعتمد على الفهم والمهارات، وأن تكون نتائجها وسيلة لتحسين التعلم لا وسيلة للعقاب أو المقارنة.
نحن لا نحتاج إلى طفل يخاف من المدرسة، كما أننا لا نحتاج إلى طفل ينتقل من صف إلى آخر وهو يحمل فجوات تعليمية لا يعرف أحد حجمها إلا بعد فوات وقت طويل.
نحتاج إلى مدرسة تعرف مستوى طفلها، ومعلم يستطيع اكتشاف احتياجاته، وأسرة تفهم أن النتيجة ليست حكمًا على ابنها، ونظام تعليمي يستخدم التقييم لمساندة المتعلم.
الطفولة لا يحميها إلغاء كل أشكال التقييم، والتعليم الجيد لا يصنعه تكاثر الاختبارات.
الطفولة تُحمى عندما يكون التقييم في خدمة الطفل، لا الطفل في خدمة التقييم.
والسؤال الذي يستحق أن يشغلنا ليس: هل نقيّم الطفل أم لا؟ وإنما: كيف نقيس تعلمه بطريقة عادلة ومناسبة لعمره، وكيف نكتشف تعثره مبكرًا من دون أن نزرع في داخله الخوف من المدرسة أو نفقده متعة التعلم؟
إذا استطعنا تحقيق ذلك، يصبح التقييم وسيلة لحماية الطفل من الفشل المتراكم، ويصبح اكتشاف نقاط ضعفه خطوة نحو علاجه، وتتحول الدرجة من غاية تلاحق الطفل إلى معلومة تساعد المعلم والأسرة على فهم احتياجاته.
فالطفل يحتاج إلى من يتأكد من أنه يتعلم، لكنه يحتاج أكثر إلى أن يشعر بأن المدرسة مكان آمن، وأن الخطأ فرصة للتعلم، وأن النتيجة لا تختصر قيمته، وأن التعليم الذي يحصل عليه اليوم يفتح أمامه الطريق بثقة في الغد.
