حارس الأرض وصانع المجد: نصر أكتوبر وعقيدة الجندي المصري التي لا تُقهر
بقلم: حاتم السعداوي
لم يكن السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد يوم خاضت فيه القوات المسلحة المصرية معركة عسكرية لاسترداد الأرض، بل كان لحظة فارقة أعادت إلى الأمة المصرية ثقتها بقدرتها على تجاوز أصعب الظروف وتحويل الهزيمة إلى بداية جديدة. فقد جاء نصر أكتوبر ليؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من أسلحة ومعدات، وإنما بما تملكه من إرادة وقدرة على التخطيط والصمود وتنفيذ المهام في أصعب الظروف. وفي ذلك اليوم، سجل الجندي المصري واحدة من الصفحات المضيئة في التاريخ الحديث، وأثبت أن الدفاع عن الأرض والكرامة قضية تتجاوز الحسابات المادية.
كانت المهمة التي واجهتها القوات المصرية شديدة التعقيد، إذ كان عليها عبور قناة السويس ومواجهة تحصينات وموانع هندسية أقيمت على الضفة الشرقية، في مقدمتها الساتر الترابي وخط بارليف، إلى جانب شبكة من المواقع الدفاعية التي صممت لتوفير حماية للقوات الإسرائيلية الموجودة شرق القناة. ومع ذلك، لم تتحول هذه التحصينات إلى حاجز أمام الإرادة المصرية، لأن التخطيط الدقيق والإعداد الطويل والتنسيق بين مختلف الأسلحة منح القوات القدرة على تنفيذ واحدة من أكثر عمليات العبور تعقيدًا في تاريخ الحروب الحديثة.
وكانت صيحة الله أكبر التي رددها الجنود المصريون على الضفة الشرقية تعبيرًا عن حالة معنوية رافقت المقاتلين في مواجهة المهمة الصعبة. فقد امتزجت الروح المعنوية العالية بالتدريب والتخطيط والعمل الجماعي، لتصبح المعركة نموذجًا على أن النجاح العسكري لا يصنعه سلاح واحد أو عنصر منفرد، وإنما تصنعه منظومة متكاملة يعرف كل فرد فيها دوره ويؤديه في التوقيت المطلوب.
وتبقى عقيدة الجندي المصري واحدة من أهم عناصر القوة التي ارتبطت بنصر أكتوبر. فهذا الجندي لم يدخل المعركة بحثًا عن أرض الآخرين، وإنما ذهب لاسترداد أرض وطنه والدفاع عن سيادته وكرامته. ومن هنا اكتسبت المعركة معناها الأوسع، إذ أصبح القتال دفاعًا عن حق أصيل، وأصبح الاستعداد للتضحية تعبيرًا عن الانتماء للوطن والالتزام بحمايته.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن الإرادة يمكن أن تعيد بناء ما تحطم، وأن النكسة ليست نهاية التاريخ. فبعد عام 1967 بدأت القوات المسلحة المصرية مرحلة شاقة من إعادة التنظيم والتدريب ورفع الكفاءة والاستعداد، وجاءت حرب الاستنزاف لتكون ميدانًا لاكتساب الخبرات واختبار القدرات وتهيئة المقاتل للمعركة الكبرى. وعندما جاءت ساعة العبور، كانت سنوات الإعداد قد تحولت إلى خبرة عملية انعكست على أداء القوات في مختلف مراحل الحرب.
كما كشفت الحرب عن أهمية العمل الجماعي بين القوات الجوية والمدفعية والقوات البرية والقوات البحرية وقوات الصاعقة والمهندسين العسكريين، إذ أدت كل قوة دورها ضمن خطة متكاملة. ولم تكن إزالة الموانع وفتح الثغرات في الساتر الترابي سوى جزء من منظومة واسعة من المهام التي تطلبت دقة في التنفيذ وسرعة في الحركة وقدرة على التعامل مع ظروف ميدانية بالغة الصعوبة.
ولم يكن الجندي المصري وحده في هذه الملحمة، فقد وقفت خلفه إرادة شعب كامل كان يرى في القوات المسلحة حصنًا للدولة وحاميًا لترابها. كان الشعب المصري يعيش الحرب بكل تفاصيلها، ويتابع أخبار الجبهة، ويقدم الدعم للمقاتلين، وينتظر لحظة استعادة الأرض والكرامة. لذلك لم يكن نصر أكتوبر انتصارًا عسكريًا فقط، بل كان انتصارًا لإرادة وطن بأكمله.
وتكمن قيمة النصر كذلك في أنه أعاد تعريف مفهوم القوة في المنطقة. فقد أثبت أن التفوق التكنولوجي والتحصينات لا يكفيان وحدهما لصناعة النصر، وأن الإنسان المدرب صاحب العقيدة الواضحة يستطيع أن يحول أكثر الموانع تعقيدًا إلى أهداف قابلة للتجاوز. وأصبح السادس من أكتوبر نموذجًا على تفاعل التخطيط العلمي مع الشجاعة والانضباط والروح المعنوية.
ولم تتوقف آثار النصر عند نتائج المعركة، فقد أصبح أكتوبر جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية، تتوارثه الأجيال باعتباره رمزًا للتضحية والانتماء والقدرة على تجاوز المحن. كما رسخ لدى المصريين حقيقة أن الحفاظ على الأرض يحتاج إلى قوة تحميها وإرادة تصونها، وأن السلام الحقيقي يحتاج إلى قدرة تحميه وتحافظ على استقرار الوطن.
إن الجندي المصري الذي عبر القناة في السادس من أكتوبر لم يكن يحمل سلاحه فقط، بل حمل معه تاريخ وطن كامل وآمال شعبه ووصية الأجيال التي سبقته. ولذلك ظل نصر أكتوبر حاضرًا في الوجدان المصري باعتباره درسًا خالدًا في أن الأوطان لا تحميها الشعارات وحدها، وإنما يحميها العمل والتخطيط والاستعداد والتضحية.
ويبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على أن مصر استطاعت أن تستعيد ثقتها بنفسها، وأن تحول لحظة قاسية في تاريخها إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة. وسيظل الجندي المصري، بما يحمله من عقيدة وطنية وروح تضحية وانضباط، أحد أبرز رموز هذه الملحمة، وسيبقى نصر أكتوبر شاهدًا على قدرة المصريين على صناعة المجد عندما تتوحد الإرادة حول حماية الأرض وصون الكرامة.
إنه نصر كتبه الأبطال بدمائهم، وحفظه الوطن في ذاكرته، وتعلمت منه الأجيال أن الأرض لا تُصان إلا برجال يعرفون قيمتها، وأن راية مصر ستظل مرفوعة ما دام وراءها شعب يؤمن بوطنه وجيش يحمي حدوده ويدافع عن ترابه.
