عرض.طارق عتريس أبوحطب
في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العُمري أبيات للكاتب (احمد بن أبي طاهر) (1) يحكي فيها أن المطر
اضطره للمبيت في دير السوسي ؛فأخرج له الراهب شرابا وكلف غلاما يسقيه حتى مات سكرا
،فلما أصبح ،رحل وأنشد [ المتقارب](2)
سقى الله سر من را وسكانها وديرا لسوســـيها الراهب
فقد بيت في ديره ليـــــــــلة وبدر على غصن صاحبي
غزال سقاني حتى الصــــباح صفراء كالذهـــــب الذائب
غزال سقاني المدامة مستيقظا ونمـــــــت ونام إلى جانبي
وكانت هناة لي الويــــــل من جناها الذي خـــــطه كاتبي
ولعل (العُمري) يعارضه بقوله [ المتقارب](3)
ولم أنس بالدير يوما لنا وعيش السرور به ينتهب
ففض ابكاره باللجـــــين وموه آصاله بالــذهــــــب
وكأس المـــــــــــــــــــــدام علينا تطوف بحمراء صافية كاللــــهب
يطوف بها من بنات القســــــوس باخلة الكف ليست تهب
مبتــــــلة بين رهبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــانها لألحاظها في حشانا رهب
مسيحيـــــــــة طلعت في المسوح كصــــبح أطل وليل ذهب
وقدغاب عنــــــــــا عيان الرقيــب وجاد الزمان بما قد وهب
فرشف اللــــــمى خلى بيننـــــــــــا وعض الخـــدود لدينا نهب
إن ثمة أمر يخفيه الشاعران خلف مضمون هذه القصة الشعرية ، التي بدت من الوهلة الأولى تحمل حنينا للماضي ،لكن عزلة الشاعرين لم تمنعهما من الانطلاق نحو الدير –بقصد وبدون قصد- وهما يعدان نفسيهما لهذا الخطاب المشبع بالذات الفاعلة ،كما أنهما وظفا اللون وجعلا له سمة جمالية من شأنها أن تقارب التشبيه،و تقرب الصورة إلى واقع محسوس. وحين ينحاز (العُمري) نحو خطابه يعي أنه أمام قوة تقوده إلى تعداد حجته وبراهين قوله، بلغة غير مباشرة وخطاب مراوغ في قوله : ففض أبكاره باللجـــــين وموه آصاله بالــذهــــــب
فالمفردات حملت لونا من ألوان المجون ،وهذا اللهو قد يفسد العلاقة بينه وبين محبيه ،لكنه كان دقيقيا حين زج بضمير الغائب والكأس معا،مما يقطع الطريق في الوصول للنيل من مرتبته العالية وذاته الأبية، هذه الذات التي انساقت خلف رغبتها تحلق في مجلس الخمر مثلها مثل عاشق يداعب محبوبته ،فلايمر شعره إلا ومعه حفنة من تأمل وبكاء وتساؤل .
أما ابن أبي طاهر، فإنه يغوص بنا في النفس الغائرة ، ويفتح لنا بابا من التأمّل و التفاصيل وكأنه يحدثنا عن حياة مختلفة من خلال تكراره لكلمة (غزال) هذا الغائب الحاضر في ذهنه، وهذه الثنائية في الخطاب جعلت اللغة تطيح بالشاعرين في ترويض للزمان والمكان على شاكلتها، وترسم أبعادا يئن معها المتلقي في تنوع الجملة الشعرية بين حروف العطف وياء المتكلم والفعل الماضي ، إلا أن هذا الدير استحال في هذا الجو الماجن إلى دار لهو ومجلس خمر والراهبات فيه ساقيات . كنت أود أن يكون الشاعران أكثر ورعا ،ويكتفيا بوظيفة الديرالأصيلة ، الذي كان يناط به مناسك العبادة ونسخ الكتب، وضيافة المسافرين وأبناء السبيل ولوكانوا لصوصا.(4)
_____________________________
1-مؤرخ من الكتاب البلغاء الرواة له نحوخمسين كتابا اشهرها المنثور والمنظوم ،سرقات الشعراء ،سرقات البحتري من أبي تمام ،أخبار بشار بن برد ولد سنة 204هـ ،وتوفى سنة 280هـ ينظر
ترجمته في معجم الأدباء لياقوت الحموي طبعة مصطفى البابي الحلبي مصر بدون 1/156-157
2-مسالك الأبصار 1 /310 3-السابق 1/224
4-ينظر: شعر الديارات في القرنين الثالث والرابع الهجريين في العراق والشام ومصرد.صالح الشنيوي المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع ط2004م ص32-56
