مصر الحرية
بقلم :عصام محمد عبد القادر سيد
يجول في خاطري توضيح أهمية توفير البيئة الحاضنة للابتكار، ويصعب على من يعاني اضطرابا أن يوجدها في مجالاتها المختلفة؛ لذا لدى قناعة بأن مقومات الإنتاجية والابتكار يقومان على مناخ تدعمه الحرية، والتي لا تنفك عن الاستقرار النفسي والأمني، وبالطبع يؤدي ذلك إلى حبي وولائي وعشقي لتراب بلادي، كما يحقق هويتي وثيقة الصلة بهوية مجتمعي صاحب القيم النبيلة التي باتت نادرة في عالم المصالح المادية التي حتماً تهدر تماسكه وترابطه وتواصله من أجل المحبة والسلام والأمان. (قطرة من فيض).
إن بناء المجتمعات لا تقوم على شعارات الهدم والفوضى والعشوائية في ضوء مفهوم غير صحيح لماهية الحرية، إنما تبنى المجتمعات الراقية والمتماسكة في نسيجها المتباين في مناخ من الاستقرار الذي يستشعر المواطن من خلاله بتوفير حقوقه وبيان واجباته فيما يوكل إليه من مهام وفق مجال تخصصه النوعي؛ لذا نمارس أعمالنا بصورة تصل لمستوى الاتقان وفق معايير تتسم بالشفافية والوضوح؛ ليتوالد ما يسمى بالأمان المجتمعي والوظيفي في آن واحد، وهذا ما أكدته الخبرات والتجارب الماضية والمعاصرة؛ حيث ضرورة توافر آليات الأمن والأمان بشكل إجرائي، والتي تنبثق من ميراث الحضارات الإنسانية المتعاقبة، وبالطبع تؤكد على دحض قيم العنف والتطرف والمغالاة في الآراء والتوجهات غير الصحيحة، والتي قد ترتبط في أغلبها بأجندات تحض على الهدم والفوضى في صورها المقنعة.
في مصر الحبيبة على القلوب تحترم قيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب والمجتمعات، وبين طوائف المجتمع الواحد؛ فعقيدة المصريين تقر بأنه يتأتى بناء الأمم ونهضتها من معرفة الحقوق والواجبات لتصل لمستوى الحرية المسؤولة، بما يسهم في بناء وطن له مستقبل مشرق، لا يشوبه التفكك والعصبية في نسيجه النقي، وباعتبار الحرية من القيم النبيلة التي تهرول المجتمعات المتقدمة إلى التمسك بها وفق معايير تحترم بناء وكيان دولهم، والمشروطة لديهم بالانتماء والولاء للوطن والاهتمام بشؤونه في المقام الأول، ملقية عرض الحائط بالمثالية الزائفة التي تهلك الحرث والنسل، وفق فكرة الحرية المطلقة، والتي تحمل في طياتها الإيذاء غير المبرر للأفراد أو لجماعات بعينها بغرض تصفية حسابات، أو هدم نظام الدولة المستقر من خلال إحداث اضطرابات أمنية أو ارتكاب الأفعال غير المقبولة التي تجرح مشاعر الآخرين، وغير ذلك من الممارسات غير المسؤولة التي تؤكد ضحالة الفكر وعمق الكره الذي يتأتى من معتقدات مغلوطة.
الفقيه بأمر ماهية الاستقرار المجتمعي يعي الترابط بين الحرية الشخصية ومصلحة مجتمعه؛ حيث لا انفكاك بينهما؛ فتجمعهما القواسم المشتركة والتي منها على سبيل المثال لا الحصر الاستمتاع بحالة الصفاء والسلم والأمن والأمان في مسار الحياة على المستوى الآني والمستقبلي؛ لذا يسارع المواطن الذي يحمل مبادئ المواطنة ويؤمن بها بالمبادأة في التصدي للمشكلات والتحديات والصعوبات التي تواجه مجتمعه ويعاني منها في ضوء ما يمتلكه من مهارات ومقومات نوعية، بما يحقق الشراكة البناءة في الحد من التحديات التي تواجه مجتمعه بصورة إيجابية، وتحت مظلة مؤسسات الدولة ووفق قوانينها، وفي إطار ما تمنحه من حدود ومعايير تحافظ على الأمن والأمان؛ كي نوظف ما لدينا في بناء مستقبل يحمل أطياف الترابط والمحبة بين أبنائه والمنتسبين إليه.
لقد أتاحت مقومات الحرية في مصر العروبة للأفكار المستنيرة أن تطفو بل وتتحقق بصورة فعلية ساهمت في نهضة الدولة المصرية، مما ساعد في بذل مزيد من الجهد وفق تقدير معنوي من رفقاء الدرب وممن ينشدون حب الوطن ورفعته، ودعم الحرية يقوم على مساندة حقيقة للرؤى التي تحمل في طياتها أفكار البناء في شتى المجالات الحياتية والعلمية؛ لنحقق سوياً ما نصبو إليه دون كلل أو ملل، وفي هذا الإطار ينبغي أن نقف وراء قيادة الدولة الفعالة التي ساهمت دون جدال في توفير حقوق المواطنة والأمن والأمان المتلازمين.
وهناك تساؤلات تجول في خاطري تمخضت عن مطالعة ظاهرية لقوانين الدولة المصرية العظيمة، والتي تناولت الحقوق والواجبات؛ لذا... هل باتت الحرية تنفك ماهيتها عن احترام المواطن لحقوق وحريّات الآخرين؟ ... الإجابة (لا) ... وهذا قطعاً يدعو لضرورة مساهمة ومشاركة المواطن في تشجيع السلام على المستويين المحلي والدولي، وأن يتمسك بسياسة إدارة الصراعات بطريقة بعيدة عن العنف.
ولا تنقطع التساؤلات في خاطري ... فهل هناك ارتباط بين الحرية وضرورة اعتراف المواطن بالثقافات والديانات المختلفة في وطنه وفي الدنيا بأسرها؟ ... الإجابة (نعم) ... وهذا ما يؤكد ضرورة تقبل وفهم الأيديولوجيات المختلفة وفق إطارها الصحيح؛ فهناك ثوابت ينبغي أن يذعن لها المواطن ومنها اتساق ثقافته مع حقيقة أن المعرفة عالمية ومشتركة بين البشر على وجه البسيطة، وينبغي أن يعمل على تعاطيها مع أخيه الإنسان، مع تمسك المواطن بالقومية التي تحض على دعم البشرية كلها، والحرص على تجاهل القومية التي تدعم شريحة واحدة من البشرية.
هل تعني الحرية أن يهتم المواطن بالشؤون المحلية فقط ولا يلقى بالاً بالشؤون الدولية؟... الإجابة (لا) ...وهذا ما يدعو لضرورة مشاركة المواطن بكامل مقوماته وقدراته في بناء مجتمعه على كافة المستويات من المحلية للعالمية، وأن يستوعب الكيفية التي تحتذيها دول العالم سياسياً وثقافياً واجتماعياً وتقنياً وبيئياً، وأن يعي اقتصاديّات وطنه والعالم، ويقدم الدعم على المستويين المحلي والعالمي؛ ليتأكد لديه أن العلاقات بين البشر تتخطى الحواجز السياسية والعرقية والثقافية التي قد تحول دون تآخيهم وتعاونهم.
في مصر المحروسة يحترم المواطن التنوع الثقافي ويقدره، ويعمل من أجل وطن وعالم أكثر إنصافاً واستدامة لموارده، إيماناً بأن الإنسانية تعد الوازع لتعضيد العلاقات بين بني البشر.
حفظ الله مصرنا وقيادتها السياسية التي أبهرت العالم بأسره؛ لتخرج بالبلاد من نفق مظلم إلى طريق النهضة والرفعة والكرامة؛ لتؤكد لجموع الدنيا أن المواطن المصري صاحب الحضارة يمتلك المقدرة على التحدي ليحيا حياة كريمة في بلاده.