القرار
recent
عاجـــــــــــــل

القرار






القرار 

بقلم: طارق حنفي 

يخطو بثبات داخلَ ممرٍّ صُقِلَت أرضيتُه وجدرانُه من صخرٍ أبيضَ معروقٍ بالسواد، ممشوق القوام، أسودَ الشعر، حليقَ الوجه، يرتدي ثيابًا بسيطة متناسقة.. وقف أمام البوابة هائلة الحجم في نهايته، وفي قوة دفع بابها، دلفَ إلى بهو فسيحٍ صُقلت جدرانُه وأرضيته من نفس نوع الصخر، ألقَى نظرة سريعة على كرسي العرش اَلْمُزَيَّن بالأحجار الكريمة، ثم قبضَ بقوة على غمده يُعلن في وضوح عن نيته، قال بحزم: "اخرج إليَّ الآن"، ثم امتشق سيفه ورفعه عاليًا، وهو يردف بحدة: "الآن، أيها الوزير". 
 
برز من خلف العرش رجلٌ هذيل الجسد إلا من الساعدين، أشيبُ الرأس، أسودُ اللحية، يرتدي ثوبًا أبيضَ مزركشًا بكثافة عند منطقة الصدر، تقبض يده على سيف كبير، قال بهدوء: "ماذا تريد أيها الأمير؟"
- لن يحدث أبدًا، لن تكون ناصح الملك ومصدر قراره هذه المرة. 
- ولمَ لا؟
- انظرْ إلى حالِك، وما يطرأ عليه من تغيير؟ جسدك الآن هذيل وساعداك قويان، ترتدي ثوبًا بسيطًا لكنه مليء بالزينة، لحيتك سوداء وشعرُك يغطيه البياض، أخبرني أيهما أنت قبل أن تنادي بأحقيتك في أن تهمس للملك بما يجب عليه فعله؟ 
- وتريد أنت قليل الخبرات أن تختار له! ألا ترى أنك تحيا في جمود العادة، تؤرقك الهواجس وترهقك التخمينات، تتحكم فيك رغبتك في النجاح؟
- وأنت! ألا يتحكم فيك الهوى؟ 
- أتُريده أن يحيى كآلة دون مشاعر؟ لكن اعلم أنه إنسان تحتاج روحه إلى الغذاء تمامًا كبدنه.
- أوقف دقاتك الهزيلة وإلا شعر الجميع بمدى ضعفه واستغلوه. 
- الحب ليس ضعفًا. 
- ما يدريك أنه حب؟ ربما أرادت أن تملأ وقت فراغها لا أكثر. 
- أعلمُ علم اليقين أنه حب حقيقي، ألم ترَ السرور الذي يعم نفسه في حضورها؟ 
- لقد فترت همته في أداء واجباته، أهمل رعيته ومملكته، أخشى أن يعزف عن محاولة تحقيق أحلامه. 
- أنت لا تتمنى له السعادة. 
- أريد له النجاح. 
- النجاح لا يعني بالضرورة أن يكون سعيدًا. 

ساد الصمت بينهما لحظات، بدا كل منهما ثابتًا على موقفه واثقًا من حُجته، ثم قال الوزير في هدوء مفاجئ: ”أحذرك لآخر مرة“، لم يجبه الأمير بلسانه بل رفع سيفه، صاح الوزير فجأة: "لا يمكن"، وهجم، اندفع الأمير في ثباتٍ ناحيته، فتقهقر الوزير رغمًا عنه، سقط على ظهره، خارت قواه وأغمض عينيه علامة الاستسلام. 

أبقى جسده ممددًا على الفراش، فتح عينين أرَّقهُما السهاد، لم يحرك بعدهما ساكنا.. شعر  بالهدوء بعد أن انتصر عقله على قلبه واتخذ قراره، أغمض عينيه مرة أخرى.
القرار
سلوي عبدالرحيم

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent