إعلام المؤتمرات العربية بين صناعة المشهد وسرقة الأضواء
بقلم: د. خالد البليسى
في المؤتمرات العربية المشتركة، لا تُصنع الصورة الإعلامية في يوم الافتتاح، ولا تُختزل في لقطات سريعة أو تصريحات عابرة. العمل الإعلامي الحقيقي يبدأ قبل ذلك بشهور، في التخطيط، والصياغة، والبناء البصري، وصناعة الرسالة من الصفر. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الجهد غالبًا ما يكون هو الأكثر تغييبًا.
ففي بعض التجارب، يُنجَز العمل الإعلامي كاملًا خلف الكواليس: هوية بصرية، تصميمات، كتيبات، بوسترات، خطابات رسمية، محتوى ترويجي، وتغطية مسبقة عبر الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي. عمل متكامل يُبنى لبنةً لبنة، ويُقدَّم دون ضجيج، وبمنطق المسؤولية لا البحث عن الظهور.
ثم، وقبيل انعقاد المؤتمر، يتبدل المشهد.
يظهر من لم يكن حاضرًا في مراحل التأسيس، ولم يتحمل عبء البناء، ليقف في الواجهة، ويتحدث بصفته “صوت الإعلام” و”صانع الصورة”، بينما يُمحى ذكر من أدّى الدور كاملًا. لا لأن الجهد لم يكن كافيًا، بل لأن الاعتراف به قد يسبب “إزعاجًا” لطرف يخشى نفوذ شخص آخر، أو يخشى أذى اعتاد الجميع تجنّبه بالصمت.
وهنا لا يكون التهميش صدفة، ولا الإقصاء سهوًا تنظيميًا، بل خيارًا محسوبًا. خيارًا يُفضّل السلامة على العدالة، والمجاملة على المهنية، وطمس الجهود على مواجهة الخلل. فيُكافأ من حضر يومين، ويُتجاهل من عمل شهورًا، فقط لأن الخوف أصبح سياسة غير معلنة في إدارة بعض اللجان.
الأخطر أن هذا السلوك يُقدَّم أحيانًا تحت لافتة “العمل الجماعي”، بينما هو في حقيقته إلغاء متعمد للأدوار، وسرقة ناعمة للجهد، لا تترك أثرًا قانونيًا، لكنها تترك أثرًا أخلاقيًا بالغ القسوة. فالإعلام الذي يزوّر تاريخه الداخلي، لا يمكنه أن يكون صادقًا مع جمهوره.
في المؤتمرات العربية المشتركة، يُفترض أن يكون الإعلام نموذجًا للنزاهة والتكامل، لا ساحة لإعادة توزيع الأضواء وفق موازين الخوف. فحين يُدار المشهد بهذه العقلية، لا نخسر أفرادًا فقط، بل نخسر الثقة، ونحوّل فكرة الشراكة العربية إلى صورة بلا مضمون.
إن أخطر ما يواجه إعلام المؤتمرات اليوم ليس نقص الإمكانات، بل تغييب الفضل، ومحو الجهود، وتمكين “صوت اللحظة” على حساب “صنّاع المسار”. ولن يستقيم هذا الواقع إلا حين يصبح الاعتراف بالعمل جزءًا من المهنية، لا مخاطرة يجب تفاديها.
فالإعلام الحقيقي لا يُقاس بمن ظهر أمام الكاميرا، بل بمن صنع المشهد قبل أن تُضاء.
فأخلاقيات القيادة الإعلامية لا تُقاس بمن يعتلي المنصة، بل بمن يحفظ الحقوق، ويُنصف الجهود، ويمتلك الشجاعة ليقول هذا العمل صُنع بأيادٍ تستحق أن تُذكر، لا أن تُمحى خوفًا أو مجاملة.
