recent
عـــــــاجــــل

حسن سليم يكتب: ثورة الرئيس

 

حسن سليم يكتب: ثورة الرئيس

حسن سليم يكتب: ثورة الرئيس


بعض الثورات الأخطر والأعمق تبدأ من الكلمة، من التشخيص الصريح، من مواجهة النفس قبل مواجهة الخصم ومن يملك شجاعة الاستماع المتجرد لتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة، سيخرج باستنتاج واحد لا لبس فيه هو أن الرجل لا يدير دولة فقط، بل يقود معركة أخلاقية شاملة، معركة تهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان المصري قبل استكمال بناء الحجر.


الرئيس في خطاباته الأخيرة لا يغازل الجمهور، ولا يبحث عن تصفيق عابر، ولا يختبئ خلف لغة منمقة.. هو يتحدث بوضوح جراح يعرف أن بعض كلماته موجعة، لكنه يدرك أيضًا أن الجراح الحقيقي لا يداوى بالكذب.. نحن أمام رئيس قرر أن يكشف أصل الداء، لا أعراضه فقط، وأن يقول للمصريين بوضوح إن كثيرًا مما نعانيه ليس سببه نقص الإمكانات ولا قسوة الظروف وحدها، بل خلل أخلاقي تراكم عبر سنوات طويلة حتى أصبح جزءًا من المشهد العام.


الرئيس حين يتحدث عن الإهمال، وعن غياب الضمير، وعن التسيب داخل بعض المؤسسات، وعن الفوضى في السلوك العام، فهو لا يطلق اتهامات جزافية، بل يعرض خلاصة ما رآه بعينيه داخل أجهزة الدولة، وما وصله من تقارير، وما لمسه في الواقع.. هو يعرف أن الدولة قد تضخ مليارات، وقد تبني مشروعات عملاقة، وقد تضع خططًا طموحة، لكن كل ذلك يمكن أن يتبدد إذا لم يتغير الإنسان الذي يدير ويشرف وينفذ.


من هنا يمكن فهم التحول اللافت في خطاب الرئيس، ذلك التحول الذي انتقل فيه من لغة التركيز على التحديات الاقتصادية والأمنية فقط، إلى لغة أعمق تمس جوهر الأخلاق العامة.. الرئيس بات يتحدث عن التربية، عن القيم، عن احترام الوقت، عن خطورة الاستسهال، عن الكذب، عن التحايل، عن الاستهانة بالقانون.. هذه ليست قضايا ثانوية، بل هي قلب الأزمة المصرية.


ثورة الرئيس ليست ثورة على أشخاص، بل على أنماط تفكير وسلوك. ثورة على موظف لا يعمل لكنه يتقاضى راتبًا.. ثورة على مسؤول يتعامل مع المنصب كغنيمة لا كأمانة.. ثورة على مواطن يطالب بكل حقوقه لكنه لا يؤدي أبسط واجباته.. ثورة على ثقافة تحميل الدولة كل الأخطاء وتبرئة الذات من أي مسؤولية.


الرئيس في تصريحاته الأخيرة بدا وكأنه يقول للمصريين بوضوح: لن نبني دولة محترمة بعقول فوضوية، ولن نصنع مستقبلًا منضبطًا بسلوك مستهتر، ولن نحمي وطنًا إذا كان بعض أبنائه يتعاملون معه بمنطق الاستنزاف لا الانتماء.. هذه رسالة قاسية لكنها صادقة، ورسالة لا يمكن لقائد شعبوي أن يجرؤ على قولها.


ما يلفت الانتباه أن الرئيس لم يستثن أحدًا من هذه المراجعة الأخلاقية، هو لم يلقِ اللوم فقط على المواطن البسيط، ولم يوجه سهامه فقط إلى الموظف الصغير، بل تحدث عن مسؤولين، عن قيادات، عن مؤسسات، عن منظومات كاملة تحتاج إلى إعادة ضبط أخلاقي قبل أي إصلاح إداري أو تشريعي.. هذا في حد ذاته إعلان ثورة، لأن أخطر ما يواجه الدول هو تقديس المناصب وتحصين الفشل خلف الألقاب.


الرئيس حين يتحدث عن أن الدولة لا تستطيع أن تراقب كل شيء ولا أن تحاسب كل خطأ، فهو يضع يده على لب المشكلة.. لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تنجح بالقوانين وحدها إذا غاب الضمير.. القانون بدون وعي يتحول إلى حبر على ورق، والمؤسسات بدون أخلاق تتحول إلى هياكل خاوية.. لذلك يلح الرئيس على فكرة بناء الإنسان، لا كشعار مستهلك، بل كمشروع وجودي.


وفي عمق هذه الثورة الأخلاقية، يمكن قراءة إدراك الرئيس لحقيقة بالغة الأهمية هى أن أخطر ما يهدد الدول ليس العدو الخارجي، بل التآكل الداخلي.. حين يضعف الضمير، وتختلط المعايير، ويصبح الخطأ مقبولًا، ويتحول الفشل إلى أمر عادي، تنهار الدول حتى لو امتلكت الجيوش والموارد.. والرئيس يبدو واعيًا تمامًا بأن الحفاظ على الدولة في هذه المرحلة التاريخية يتطلب صدمة وعي، لا مجاملات.


هذه الصدمة ظهرت في حديثه الصريح عن التعليم، عن الإعلام، عن الخطاب الديني، عن السوشيال ميديا، عن التفكك القيمي الذي يهدد الأجيال الجديدة.. هو يدرك أن المعركة القادمة ليست فقط معركة تنمية، بل معركة هوية ووعي. وأن ترك الأجيال القادمة نهبًا للفوضى الرقمية والانفلات الأخلاقي أخطر من أي تهديد عسكري.


ما يطرحه الرئيس هنا ليس وصاية، بل إنذار مبكر.. إنذار بأن الدولة التي لا تحمي وعي أطفالها وشبابها، ولا تضبط مسار القيم داخل المجتمع، ستدفع ثمنًا باهظًا بعد سنوات. ولذلك جاءت كلماته حاسمة في ضرورة إعادة النظر في كثير من المسلمات، وفي ضرورة أن تتحمل الأسرة والمدرسة والإعلام والدولة مسؤوليتهم كاملة.


ثورة الرئيس الأخلاقية لا تستهدف إعادة الناس إلى الوراء، ولا فرض نموذج جامد للحياة، بل إعادة الناس إلى فطرتهم السليمة.. إلى معنى العمل بإتقان.. إلى قيمة الصدق.. إلى احترام النظام.. إلى الإحساس بأن الوطن ليس فندقًا نقيم فيه مؤقتًا، بل بيتًا نحافظ عليه.. إلى استعادة فكرة أن النجاح لا يأتي بالتحايل، وأن الكرامة لا تنفصل عن المسؤولية.


في هذا السياق، يمكن القول إن الرئيس يخوض معركته الأصعب.. فالإصلاح الاقتصادي يمكن قياسه بالأرقام، والإصلاح الأمني يمكن رؤيته في الشارع، لكن الإصلاح الأخلاقي نتائجه لا تظهر سريعًا، ويقاومه كثيرون لأنهم اعتادوا أن يعيشوا في المنطقة الرمادية.. ومع ذلك، اختار الرئيس أن يفتح هذا الملف، لأنه يعلم أن تجاهله يعني تأجيل الانفجار لا منعه.


هذه الثورة الأخلاقية تحتاج إلى شجاعة مجتمع، لا شجاعة قائد فقط.. تحتاج إلى أن يفهم الناس أن ما يقوله الرئيس ليس خطابا، بل خطة نجاة.. وأن استمرار الدولة لا يتوقف فقط على ما تفعله الحكومة، بل على ما يفعله كل فرد في موقعه.. من الموظف إلى الطالب، من المعلم إلى الإعلامي، من رجل الدين إلى رجل الأعمال.


نحن أمام لحظة فارقة.. إما أن نستوعب رسالة الرئيس وندرك أن بناء الجمهورية الجديدة يبدأ من إصلاح السلوك قبل تشييد المباني، أو نستمر في الدوران داخل الحلقة المفرغة نفسها.. الرئيس قال كلمته بوضوح. لم يجمل، لم يوارِ، لم يهادن.. وضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ورفع سقف التحدي.


هذه ليست ثورة تهدف إلى الهدم، بل إلى التطهير.. ليست ثورة غضب، بل ثورة وعي.. ليست صدامًا مع الشعب، بل مصارحة معه.. ومن يقرأ المشهد بعمق سيدرك أن الرئيس لا يريد فقط أن يترك مشروعات، بل أن يترك دولة متماسكة أخلاقيًا، قادرة على الاستمرار بعده، لا دولة تقوم على المسكنات.


ثورة الرئيس في رأيي ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وجودية، فالدول لا تعيش بالمشروعات وحدها، بل بالقيم التي تحمي هذه المشروعات.. والتاريخ لا يرحم من يضيع الفرص الكبرى.. نحن الآن أمام فرصة لإعادة بناء الإنسان، وإذا لم نلتقطها، فلن ينفعنا لاحقًا الندم ولا التبرير.


هذه هي ثورة الرئيس.. ثورة هادئة في شكلها، عميقة في جوهرها، قاسية في صدقها، وخطيرة في تجاهلها.. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي، هل نحن مستعدون لها؟


google-playkhamsatmostaqltradent