حسين الحانوتي يكتب: العهر الإداري
العهر الإداري جملة مجازية تعبر عن أقصى درجات الفساد الإداري والتخبط المغلف بمخالفة القوانين، وستار الجهل باللوائح، حيث عالم يسوده الكذب والنفاق والمحسوبية، وعن عمد يتم إهدار المال العام بغياب القانون والأخلاقيات المهنية، وتهميش الكفاءات، واتخاذ قرارات عشوائية ومزاجية، مما يؤدي إلى إحباط الموظفين الأكفاء واختلال منظومة العمل، ويعد اغتيالًا بل وأدًا للنزاهة والشفافية.
والعهر الإداري هو وجود شخص أو جماعة من المرؤوسين لا يتقنون من عملهم شيئًا، ويظهرون أمام رؤسائهم في العمل أنهم الأمناء الأكفاء المخلصون المحبون للعمل ولرئيسهم، ويحيطونه بهالة وهاجة من التملق والإطراء المبالغ فيه، بسبب وبدون سبب. تعمي هذه الهالة الكاذبة بصر وبصيرة المدير عن إدراك الحقائق، حيث لا يتبع قول الحق تعالى: إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، لصالح العمل، ويعتبر ما يتخذه المدير عن وشاية وزور هو عين الصواب. فإذا فشل وأخطأ المدير في أمر ما نتيجة اتخاذه قرارات خاطئة، هرول هؤلاء المنافقون مبررين ما حدث بأنه ما هو إلا بسبب عدم إخلاص من دونه من المرؤوسين في العمل، بل يرمون التهم جزافًا على غيرهم، كأن يصدرون عكس الواقع بأن فئة بعينها هي من تقلب النفوس وتثير الفتن ولا تتبع معايير السلوك الوظيفي، وهي العبارة التي تمتلئ بها صفحات الشكاوى، بما يعني أنها صادرة من نفس الشخص المستفيد من خلق بيئة غير صالحة.
لكن في حقيقة الأمر، المدير الذكي وصاحب الدراية والخبرة بأساليب المنافقين لا تنطلي عليه حيلهم، فالمنافق يجد ضالته في المدير المشغول بخصوصياته أولًا، وعديم الرؤية والدراية، والمدير عديم الثقة بأهليته لمنصبه الذي يبحث دائمًا عمن يجبر نقصه، والمدير المغرور الذي لا يشبع من الإطراء والمديح. كل هؤلاء المديرين يقربون المنافقين ويستبعدون الناصحين الأكفاء. ولك أن تتخيل أن هذا الآفاق الرخيص عديم المبدأ يتزلف إلى أنواع المديرين السابق ذكرهم بغير شروط، ويتودد إليهم على الدوام. وفي هذه الحالة ينفصل المدير عن واقعه، لأن ذلك المنافق يوفر له واقعًا بديلًا مملوءًا بالكذب والخداع. وهذا المنافق شخص لديه ضعف واضح وملموس في القيم والأخلاق، مما يجعله يبرر أي وسيلة لإشباع نزواته وتحقيق مطالبه والانصياع لأهوائه، فقد يختلق تهمًا ليس لها من الأساس لأي من زملائه الذين يحيون عقدة مرضه حين رؤيتهم، حتى لا يكون هو الوحيد الذي يشعر بالنقص، رغم أنها الحقيقة، ولا يتورع في تشويه صورة أيًّا من كان ليظل هو متربعًا على عرش النفاق الإداري الظالم، ويظهر بمظهر الولي التقي الذي لا يوجد مثيله خوفًا على العمل والمدير. بل قد يختلق الفتن بين الزملاء ويتصدر مشهد حلها ليكون ظاهرًا في المشهد وكأنه الأهم وصاحب الكلمة العليا، فضلًا عن تخويفه الزملاء بقدرته على ضررهم بنفوذه لدى الرئيس المباشر، وتعيينهم جواسيس ومتنصتين لإبلاغه بكل ما يدور بين زملائهم، كي يستطيع خلق فتن بينهم تظهره بمظهر المطلع على بواطن الأمور.
والحقيقة أن هذا الشخص مريض ومتآمر ووصولي ومتسلق هادم للتماسك الاجتماعي، وموصوف بصفة شيطانية ترفضها الشرائع، وخصوصًا الشريعة الإسلامية السمحاء. هو إنسان مبتلى بداء يصيب القلب فيتمكن من الجسد، فيكون بذلك بعيدًا عن النهج الرباني وتعاليم الأديان، فاقدًا للتربية والتنشئة السليمة، دائمًا يعوض شعوره بالنقص والدونية بمثل هذه الأفعال ليلفت النظر والانتباه إليه، لتبقى في النهاية هذه الظاهرة غير أخلاقية مهما تكن المبررات.
والجهاز الإداري في الدولة مليء بهذه الشخصيات التي تغتال الكفاءات وتضعهم تحت ضغط معنوي ونفسي يؤدي في النهاية لعدم الرضا الوظيفي، وبالسلب على الصورة العامة لأي مؤسسة، لأن تلك الكفاءات لا تجد صدى أو مردودًا عند رئيسها المباشر عندما تشتكي من وضع مخالف أو غير قانوني، حيث لا يسمع لنصحها وشكواها بل لصاحب النفاق، فهو من يرسم بأكاذيبه خريطة هدم أي مؤسسة شريكًا مع مديرها الذي لا يتتبع الحقائق والمغمى على بصره بوقائع ما أنزل الله بها من سلطان، مما يأتي بنتائج سلبية على إنتاج أي مؤسسة أو مكان خدمي، رغم أنك لو بحثت في خصوصياته لاطلعت على ما يدينه لإقامة الحد عليه.
وفي النهاية لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ولن يجد الظلم يومًا من ينصره على الحق، ولن تنكسر النوايا الطيبة أو تُغتال كفاءات أدت وتؤدي واجبها بكل إخلاص وأمانة، ويقينًا يهلك الله الظالمين بالظالمين، لتستقيم الأمور وتسمو الإدارات الخدمية.
