recent
عـــــــاجــــل

كرة الشوارع المنسية ومأزق الأكاديميات في اكتشاف المواهب

 

كرة الشوارع المنسية ومأزق الأكاديميات في اكتشاف المواهب

كرة الشوارع المنسية ومأزق الأكاديميات في اكتشاف المواهب


بقلم: حاتم السعداوي

لطالما ارتبطت كرة القدم في مصر بالشارع والحارة ومراكز الشباب البسيطة، حيث نشأت أجيال كاملة من اللاعبين الذين صنعوا أمجاد الكرة المصرية من قلب المعاناة، وبأدوات بدائية لا تتجاوز كرة مصنوعة من الجوارب أو البلاستيك وساحة ترابية مفتوحة. غير أن هذا المشهد تغيّر بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد دور الأكاديميات الاستثمارية وتحول الملاعب إلى مشروعات مغلقة لا يدخلها إلا القادرون على الدفع.


اليوم، لم تعد الموهبة وحدها جواز المرور إلى عالم الكرة، بل باتت القدرة المالية لولي الأمر شرطًا غير معلن، وهو ما أفرز فجوة واضحة بين كرة الشارع التي أنجبت عمالقة اللعبة، وكرة الأكاديميات التي تركز في كثير من الأحيان على الشكل والتنظيم أكثر من الجوهر والروح.


في السابق، كانت مراكز الشباب والساحات الشعبية بمثابة المناجم الحقيقية لاكتشاف اللاعبين، أما الآن فقد جرى حصار تلك المساحات، بعد خصخصة أغلب الملاعب أو تأجيرها لصالح أكاديميات تهدف إلى الربح قبل أي اعتبار فني. هذا الواقع أقصى شريحة واسعة من أبناء الطبقات البسيطة، الذين يمتلكون ما يمكن وصفه بالجوع الكروي الحقيقي، والرغبة الصادقة في تغيير مصيرهم عبر المستطيل الأخضر.


المشكلة لا تتعلق فقط بالتكلفة، بل بالفلسفة ذاتها. فالكثير من الأكاديميات تخرج لاعبين مدربين في أجواء مثالية، لكنهم يفتقدون الصلابة والشراسة الكروية، في مقابل مواهب الشارع التي صقلتها قسوة الحياة، ومنحتها قدرة فريدة على التحمل والقتال داخل الملعب.


الكرة المصرية، سواء على مستوى الأندية أو المنتخب الوطني، تحتاج إلى نمط مختلف من اللاعبين، أولئك الذين تشكل وعيهم الكروي تحت شمس الصيف الحارقة وبرد الشتاء القارس، واكتسبوا مناعة بدنية وذهنية لا توفرها الملاعب المجهزة. هؤلاء يمتلكون طاقة استثنائية نابعة من الرغبة في إثبات الذات، ويُعرفون داخل الوسط الرياضي باللاعبين المقاتلين القادرين على تقديم أقصى جهد حتى اللحظة الأخيرة.


كما أن الموهبة الخام، بما تحمله من ابتكار وسحر في المراوغة واللعب الحر، غالبًا ما تولد بعيدًا عن القيود النمطية، حيث لا تُكبل الإبداع مناهج جاهزة أو تعليمات صارمة.


وإذا كانت الكرة المصرية تسعى لاستعادة بريقها، فإن الأمر يتطلب إعادة النظر في آليات اكتشاف المواهب، من خلال عودة الكشافين إلى القرى والنجوع في الصعيد والدلتا، حيث لا أكاديميات فاخرة، لكن توجد طاقات فطرية هائلة. كما يصبح من الضروري فتح ملاعب مراكز الشباب مجانًا لاختبارات حقيقية، تتيح للموهوبين غير القادرين فرصة الالتحاق بقطاعات الناشئين دون أعباء مالية.


الأهم من ذلك هو البحث عن شخصية اللاعب قبل مهارته، عن ذاك الذي يمتلك العناد الإيجابي والقدرة على الصمود في أصعب الظروف، لأن البطولات لا تصنعها المهارة وحدها، بل تصنعها الإرادة.


في النهاية، يبقى الاستثمار في الإنسان صاحب الحلم والإصرار أقوى وأبقى من الاستثمار في الحجر والمظاهر. فمواهب الشوارع المنسية قد تكون الوقود الحقيقي القادر على إعادة قاطرة الكرة المصرية إلى مسارها الصحيح، لأن هؤلاء لا يلعبون من أجل الرفاهية أو الشهرة فقط، بل يلعبون من أجل الحياة.


google-playkhamsatmostaqltradent