الأب ماكينة ATM فقط في نظر المشرع المصري
بقلم: حسن سليم
ظل الأب رمزًا للتضحية والعمل والقدوة، رجل العائلة الذي يفترض أن يكون في الوقت ذاته معلمًا ومرشدًا وحامٍ للأبناء، إلى جانب دوره في توفير الحياة المادية.. لكن على مدار العقود الماضية، ومع تزايد التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية، ومع تشريع قوانين الأحوال الشخصية غير العادلة، تحول كثير من الآباء إلى مجرد مصدر مالي، ماكينة ATM فقط، يتوقع منهم صرف النفقة ودفع المصروفات دون أي قدرة على التدخل في حياة الأبناء أو اتخاذ أي دور تربوي حقيقي.
هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية واجتماعية وقانونية. فالقوانين التي تحكم الأسرة في مصر، لا سيما قانون الأحوال الشخصية، جعلت الأب مقيدًا بواجب مالي محدد، مع قلة في الحقوق الاجتماعية والقانونية تجاه الأبناء بعد الانفصال أو الطلاق، أو حتى أثناء الحياة الأسرية الطبيعية.. الأب أصبح في معظم الحالات ملزمًا بالمال، بينما أدواره العاطفية والتربوية مهملة، ويواجه صعوبة في ممارسة أي تأثير حقيقي على مسار حياة أبنائه.
تاريخيًا، كان الأب ينظر إليه كركيزة أساسية للأسرة، يمتلك السلطة والمعرفة والتجربة، ويشارك في تربية الأبناء وتوجيههم، حتى في أبسط المجتمعات الريفية، كان الأب يزرع القيم ويغرس مبادئ العمل والاجتهاد في نفوس أبنائه، ويسهر على تعليمهم مهارات الحياة المختلفة، سواء كانت متعلقة بالعمل في الأرض أو التجارة أو الحرف.. هذا الدور الشامل كان يضمن أن الأبناء ينشأون في بيئة متكاملة تجمع بين الدعم المالي والرعاية النفسية والتوجيه الأخلاقي.
مع سن قوانين الأحوال الشخصية الحديثة، تغير هذا الوضع بشكل كبير، إذ أصبحت القوانين أكثر تركيزًا على الحقوق المادية للأبناء، وتقصي الأب من أي دور اجتماعي أو تربوي فعّال، خاصة في حالات الطلاق والانفصال.. الأب أصبح مضطرًا للالتزام بالنفقة الشهرية، وفي كثير من الأحيان يحرم من رؤية أبنائه أو حتى المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بتعليمهم أو صحتهم أو أنشطتهم اليومية.. هذا الوضع خلق شعورًا عميقًا بالعجز والإحباط لدى الكثير من الآباء، الذين يجدون أن كل جهودهم تقتصر على دفع الأموال، بينما يغيب التواصل الحقيقي والمشاركة الحقيقية في حياة الأبناء.
الأب المصري في ظل هذه التشريعات يعيش حالة مزدوجة من الضغوط، ضغط اقتصادي ناجم عن الالتزام بالنفقات والديون والرسوم المتزايدة، وضغط نفسي عميق ناجم عن الحرمان من المشاركة الفعلية في حياة الأبناء.. هذا التحول أثر بشكل مباشر على العلاقة بين الأب وأطفاله، إذ يشعر الأب بالعزلة وفقدان القدرة على التوجيه والإرشاد، فيما ينشأ الأبناء في بيئة يقتصر فيها تفاعلهم مع الأب على المعاملات المالية فقط، وهو ما يخلق فجوة عاطفية واسعة، وتكون آثارها ممتدة على المدى الطويل.
التشريعات الفاسدة لم تؤثر فقط على الدور الأبوي، بل أسهمت أيضًا في إعادة تشكيل صورة الأب في الوعي الاجتماعي والثقافي.. صارت السينما والتلفزيون كثيرًا ما تجسد الأب كشخص موجود للمال فقط، الأب الذي يغيب عن التفاصيل اليومية، ولا يشارك في اللحظات الحقيقية من حياة أبنائه.. هذه الصورة، رغم أنها مبسطة، لكنها أصبحت انعكاسًا للواقع الذي فرضته القوانين والممارسات الاجتماعية، وأدت إلى تأصيل مفهوم الأب كمصدر مالي فقط في الوعي الجمعي.
هذا الواقع له آثار اجتماعية ونفسية خطيرة.. ولقد أظهرت الدراسات الاجتماعية أن الأبناء الذين ينشأون في بيئة يغيب عنها الأب قد يعانون من مشاكل ثقة بالنفس، وصعوبات في العلاقات الاجتماعية لاحقًا، ونقصًا في القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة.. وفي المقابل فإن الأب نفسه يعيش شعورًا بالذنب والإحباط، يشعر بالعجز رغم جهده المستمر، ويصبح دوره في نظر المجتمع والأسرة محدودًا إلى حد كبير.
فقد يجد الأب نفسه مضطرًا للعمل لساعات طويلة، وأحيانًا في أكثر من وظيفة، من أجل توفير النفقة، بينما يغيب تمامًا عن تفاصيل حياة أبنائه اليومية فتزداد الفجوة بين الأب والأبناء، ويصبح الأب محصورًا في دور "ماكينة ATM" فقط، شخص يرسل المال ولا يرى الحب أو التقدير أو المشاركة في التربية.
وهنا يبرز دور المجتمع والأعراف الاجتماعية في تعزيز هذا الواقع.. فالمجتمع في كثير من الأحيان ينظر إلى الأب من منظور قدرته على تأمين الحياة المادية فقط، بينما يعتبر أي تدخل في شؤون الأبناء بعد الانفصال تدخلًا غير مرغوب فيه أو تجاوزًا للحدود القانونية.. هذه النظرة تضع الأب في موقف دفاعي، وتجعل التواصل مع الأبناء تحديًا كبيرًا، ويؤدي إلى مزيد من الانعزال النفسي والعاطفي.
الأب المصري الذي أصبح ماكينة ATM يعكس فشل التشريعات في موازنة الحقوق والواجبات بين الأب والأم، ويعكس قصورًا في تصور الدولة للأبوة الشاملة، والتي يجب أن تتضمن الجانب المالي والعاطفي والتربوي.. والحل يكمن في تعديل التشريعات لتسمح للأب بالمشاركة الفعلية في حياة أبنائه، وضمان حقه في التوجيه والإرشاد، إلى جانب تأمين حقوق الأبناء المادية، كما يجب إدراك أن الأبوة ليست مجرد دفع النفقة، بل هي مسؤولية شاملة تتطلب الوقت، والاهتمام، والمشاركة، والقدوة الحقيقية.
وفي ظل هذه الظروف، لا يزال الأب المصري رمزًا للتضحية والصبر، لكنه بحاجة إلى الاعتراف بمجهوده الكامل، ليس فقط على مستوى المال، بل على مستوى التربية والحب والتوجيه.. إن إعادة النظر في تشريعات الأحوال الشخصية، وإعطاء الأب حقوقًا حقيقية تمكنه من أداء دوره الكامل، هي خطوة أساسية لضمان بناء أسر صحية، وتربية جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وأمان.
الأب الذي تحول إلى ماكينة ATM ليس مجرد حالة فردية، بل هو نتيجة تراكمات قانونية واجتماعية واقتصادية، تعكس خلل النظام الاجتماعي والتشريعي في التعامل مع الأسرة.. والاعتراف بهذا الواقع ومعالجته قانونيًا واجتماعيًا هو السبيل لإعادة توازن العلاقة بين الأب وأبنائه، واستعادة الصورة التاريخية للأب المصري كقدوة ومربي وصديق، وليس مجرد مصدر مالي.
الأب المصري ماكينة ATM فقط وهذا نتاج فشل مؤسسات الدولة والمجتمع في صياغة سياسات تحمي الأسرة وتعطي كل طرف حقه الطبيعي.. فلا يمكن لأي مجتمع أن يكون قويًا ومستقرًا إذا فقد الأب دوره الكامل في حياة أبنائه.. وإعادة الاعتبار للأب ودوره الحقيقي، مع تعديل التشريعات الفاسدة، هي مسؤولية جماعية، وستبقى ضرورة لضمان أن الأب لا يصبح مجرد رقم على فاتورة أو صرافة، بل قلب الأسرة وروحها وركيزة تربوية متكاملة.
