كيف يتم التأهيل الفعلي لذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع المصري
بقلم: المستشار طلعت الفاوي
لا يزال ملف ذوي الاحتياجات الخاصة واحدا من أكثر الملفات التي تحتاج إلى معالجة عميقة تتجاوز الشعارات والنوايا الحسنة إلى سياسات واقعية قابلة للتطبيق. فالتأهيل الحقيقي لا يبدأ من مراكز العلاج فقط، ولا ينتهي عند منح بطاقات أو تسهيلات، بل يرتبط بالدرجة الأولى بتغيير النظرة المجتمعية السائدة التي ما زالت في كثير من الأحيان تحصر هذه الفئة في إطار العجز أو الاعتماد الدائم على الآخرين. هذه الصورة الذهنية، وإن لم تكن معلنة، تشكل عائقا خفيا أمام اندماج ذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة العامة والعمل والإنتاج.
التأهيل الفعلي ينطلق من الاعتراف بأن ذوي الاحتياجات الخاصة يمتلكون قدرات حقيقية يمكن تنميتها، وأن الإعاقة لا تعني غياب الكفاءة أو انعدام الجدوى. ومن هنا تبرز أهمية التمكين المجتمعي بوصفه حجر الأساس في أي مسار جاد للتأهيل، وذلك من خلال دمج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم في الأنشطة المجتمعية المختلفة، وإشراكهم في البرامج التنموية والتعليمية والثقافية دون تمييز أو استثناء.
وتعد الرياضة واحدة من أهم الأدوات العملية لتحقيق هذا الدمج، لما لها من دور محوري في تفريغ الطاقة السلبية وبناء الثقة بالنفس وتحسين الحالة الصحية والنفسية. غير أن واقع رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة يكشف عن تحديات متعددة، بعضها هيكلي يرتبط بنقص المنشآت المؤهلة وارتفاع تكلفة المعدات الرياضية المتخصصة، وبعضها الآخر لوجستي يتعلق بصعوبات الانتقال وغياب وسائل نقل مناسبة، فضلا عن نقص الكوادر التدريبية المؤهلة للتعامل مع طبيعة كل إعاقة على حدة.
ولا يمكن إغفال التحديات النفسية والمعرفية التي تواجه كثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تؤثر بعض الإعاقات الحسية أو الذهنية على القدرة على التفاعل مع قواعد اللعب الجماعي أو الالتزام بالإيقاع البدني المطلوب. كما تمثل المشكلات الصحية المزمنة والتعب المستمر وسوء التغذية عوامل إضافية قد تحد من الاستمرارية في ممارسة النشاط الرياضي، إذا لم يتم التعامل معها ضمن رؤية شاملة تراعي الفروق الفردية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يصبح الحل مرهونا بتكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والرياضية. فتهيئة الملاعب وتعديل قواعد الألعاب بما يتناسب مع القدرات المختلفة لم تعد رفاهية، بل ضرورة لضمان المشاركة الفعلية. كما أن توفير معدات مهيأة وإتاحة الوصول الآمن إلى المنشآت الرياضية يمثل خطوة أساسية نحو إزالة الحواجز غير المرئية التي تعيق الاندماج.
ويأتي نشر الوعي المجتمعي في صدارة هذه الجهود، لأن الدعم النفسي والاجتماعي لا يقل أهمية عن التأهيل البدني. فالكلمة المشجعة والنظرة الإيجابية قد تصنع فارقا أكبر من أي تجهيزات مادية. كما أن إعداد مدربين متخصصين يمتلكون المعرفة العلمية والإنسانية اللازمة للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة يعد استثمارا طويل الأمد في بناء منظومة رياضية وتأهيلية عادلة.
إن دمج ذوي الاحتياجات الخاصة ليس منحة ولا استثناء، بل هو حق أصيل يهدف إلى ضمان مشاركتهم الكاملة في التعليم والعمل والحياة اليومية، وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم قدر الإمكان، والمساهمة في المجتمع كطاقة منتجة. فالمجتمع الذي ينجح في احتواء جميع أبنائه، دون تمييز، هو مجتمع أكثر توازنا وقدرة على التقدم، ويثبت بالفعل أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا حين تشمل الجميع.
